يسير روميو على خشبة المسرح ذهاباً وإياباً أمام جمهور مسحور، في مركز اللاجئين السوريين في العاصمة الأردنية عمّان، في حين تقوم جولييت، وبواسطة اتصال غير ثابت عبر سكايب، بالتحديق في الغرفة من مسرح آخر في مدينة حمص المحاصرة جراء النزاع السوري.

تشكل هذه النسخة الجديدة لقصة شكسبير التي تدور حول عاشقين يعاكسهما القدر، عمل ممثل سوري قام باقتباس قصة تعود إلى قرون ليعكس من خلالها معاناة الانقسام والأحكام المسبقة التي تقوم اليوم بتمزيق سوريا.

لسطور قصة شكسبير صدى حزين في الشرق الأوسط اليوم.

فقد قام نوار بلبل، في عمل سابق له، بعرض مسرحية الملك ليار في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن، مستعيناً بأطفال سوريين لأداء تراجيديا شكسبير أمام جمهور عانى الكثير من المآسي. وقد اختار بلبل شكسبير بالتحديد كونه يعرف أن من شأن ذلك أن يحول أنظار العالم إلى مأساة اللاجئين السوريين. ويقول بلبل: "بالنسبة لي، إن شكسبير ليس إنجليزياً كون أعماله تمتّ بصلة للعالم بأسره".

وقد يكون الإرث الأكبر للكاتب الإنجليزي الأشهر في العالم هو مسرحياته التي كتبها منذ أكثر من أربعة قرون والتي لاتزال وثيقة الصلة بالأحداث الحالية بالنسبة لرواد المسارح، إذ لاتزال مواضيع الروايات التي أدت إلى اكتظاظ مسارح لندن خلال العصر الإليزابيثي تسحر الجماهير حول العالم حتى اليوم.
هذا ويشكل تاريخ 23 أبريل 2016 ذكرى مرور 400 عام على وفاة وليم شكسبير، ما دفع المجلس الثقافي البريطاني، وهو منظمة بريطانية دولية تُعنى بالثقافة والتعليم، إلى الإعلان عن برنامج ثقافي لمدة عام لهذه المناسبة.

وسيصل برنامج "#شكسبير_ليفز" إلى أكثر من نصف مليار شخص حول العالم، فيقدم المسرحيات الأفلام والقراءات العامة والمشاريع الرقمية، ويؤمّن الدعم للمدارس وطلاب اللغة الإنجليزية باختلاف أعمارهم.

كما سيعمل المجلس الثقافي البريطاني، بالتعاون مع حملة GREAT البريطانية بتحقيق مشروع "العالم بأسره مسرح" وذلك من خلال حشد حماس دولي واسع لأعمال شكسبير.

يؤمن المجلس الثقافي البريطاني بأن شكسبير لا ينتمي إلى بريطانيا فحسب، بل للعالم بأسره، وأن "شكسبير ليفز" هو الحملة الدولية الأكثر طموحاً والتي تم إطلاقها لنشر الوعي والتقدير لأعظم الكتاب.

هذا وستتضمن نشاطات الحملة فيلماً مقتبساً جديداً عن "هامليت"، وهي أفضل التراجيديات التي كتبها شكسبير، منح بحث تسمح للفنانين في المملكة المتحدة والخارج بالعمل معاً على مشاريع شكسبيرية، إضافة إلى جولة عالمية لأعظم الشعراء تتمحور حول قصائد شكسبير.

وسيعتاد ركاب القطار في دبي على إحدى هذه المبادرات، ففي حين تنتشر أجزاء من القصائد داخل قطارات الأنفاق في لندن، ستظهر مقتطفات من قصائد شكسبير في قطارات المترو في دبي، ما يسمح للركاب بتمضية دقائق من التفكير خلال تنقلاتهم اليومية.

كما ستتوفر الموارد الغنية للمدارس، فقد ساهمت شركة Royal Shakespeare Company بإنتاج رزمة تعليمية سيقوم المجلس الثقافي البريطاني بتوزيعها. أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فيعمل المجلس الثقافي البريطاني على تأمين انخراط حوالي 6000 مدرسة في برنامج ربط الصفوف الدراسية التعليمي، إضافة إلى العديد من النشاطات الأخرى على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويشمل الدعم التعليمي خطط دروس ذات مواضيع شكسبيرية لجميع المستويات والندوات على الإنترنت لمعلمي اللغة الإنجليزية، إضافة إلى أقاصيص شكسبيرية من الرسوم المتحركة للأطفال.

أما لطلاب اللغة الإنجليزية الأكبر سناً ذوي المستوى المتوسط، فسيكون هناك مساق هائل مفتوح عبر الإنترنت يتطرق إلى المواضيع الرئيسية لأعمال الكاتب المسرحي.

كذلك يصادف الـ23 من أبريل أيضاً اليوم العالمي للغة الإنجليزية، غير أن الأمر بعيد عن أن يكون مجرد صدفة، فتقوم لغة شكسبير اليوم بربط الثقافات أفضل من أي وسيلة تواصل أخرى، وذلك كونها تسمح لأشخاص من مختلف الجنسيات والأعراق بالتحدث مع بعضهم بعضا. كما لا تحل اللغة الإنجليزية محل اللغات الأم، علماً بأنها غالباً ما تشكل لغة إضافية.

في الشرق الأوسط، لا تزال اللغة الإنجليزية في طور الازدهار، إذ يقوم 80 مليون شخص في هذه المنطقة بتعلم اللغة حالياً.

تجدر الإشارة إلى أن المجلس الثقافي البريطاني يؤدي دوراً بارزاً في ذلك، إذ يعتمد أكثر من ثلاثة ملايين طالب من المستوى المتوسط بتعلم الإنجليزية من خلال صفحة LearnEnglish MENA الخاصة بالمجلس الثقافي البريطاني على موقع فيسبوك، ما يجعلها الصفحة التعليمية الأكبر في العالم على شبكة الإنترنت.

يشكل "شكسبير ليفز" فرصة لتحسين المهارات اللغوية والمعرفة الثقافية، ليس في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فحسب، بل يشمل المملكة المتحدة أيضاً.

يتيح البرنامج فرصاً غنية للتبادل الثقافي، ما يمهد الطريق لتفاهم متبادل أفضل والقضاء على الصور النمطية وتنمية الثقة والتفاهم بين مختلف المجتمعات.

ويرحب المجلس الثقافي البريطاني باهتمام جميع المؤسسات التعليمية والثقاقية، كالمدارس والجامعات والشركات المسرحية والرعاة، وذلك لنشر أعمال شكسبير بين أكبر عدد من الشعوب.

وللمجلس الثقافي البريطاني تقليد يقضي بإضافة لمسة عربية لأعمال شكسبير، فعلى سبيل المثال، في مسرحية "روميو وجولييت في بغداد" تنتمي كل من شخصيتي روميو وجولييت إلى طوائف مختلفة، وعلى الرغم من اختلاف النهاية، تدور أحداث القصة الأساسية في إعداد مناسب ومعاصر، فلا يلقى الحبيبان حتفهما من جراء جرعة سامة بل خلال تفجير انتحاري، كما هي الحال اليوم في بغداد.

وبدعم من المجلس الثقافي البريطاني، حاز العمل على نقد إيجابي بعد جولته في إنجلترا، غير أن تأثيره الأكبر كان في العروض الممتلئة في مسرح بغداد الوطني، بحيث كان الجمهور أفضل من فهم مبدأ الولاءات المقسمة.

يشار إلى أن النهاية تختلف أيضاً في مسرحية روميو وجولييت السورية التي أنتجها نوار بلبل، إذ تقوم الشخصيتان بتحضير جرعة السم لإنهاء حياتهما قبل أن يرمياه أرضاً في اللحظة الأخيرة قائلين: "كلا. كفانا قتلاً. كفانا سفكاً للدماء. نريد أن نعيش كغيرنا من البشر".

اغرورقت عيون الحاضرين بالدموع. استطاعت تحفة شكسبير مرة أخرى الوصول إلى قلوب أناس جدد، وإن في مكان آخر وزمن آخر.