متآمرون فعلاً .. ولكن ليس كما اعتقدنا ! .. عقيل حسين

كتب : عقيل حسين | سوريا 24 |

لطالما نظرت شعوب العام العربي إلى تجارب بعض التنظيمات ( الجهادية ) التي سيطرت على الأرض أو قسم من الأرض في بلدان أخرى، نظرة رومانسية مثالية لا يمكن كسرها أو التشكيك بها، خاصة مع اليقين الضمني المستقر لدى هذه الشعوب بكذب الأنظمة ووسائل الإعلام. ومن هنا كان ما تنشره وسائل الإعلام حول تجارب التنظيمات في المناطق التي سيطرت فيها (كالصومال والجزائر وأفغانستان والعراق ومالي وأخيراً سوريا) كان يقابل بالتشكيك والرفض، وهو يقين ساهمت منظومة إعلامية متماهية في تكريسه، من خلال تركيزها على ضحايا هذه التجارب من رعايا الدول الغربية، أو الأقليات العرقية والدينية في هذه البلاد .

أما أبناء هذه البلدان وسكانها (من الأكثرية المسلمة) فقد أهملت وسائل الإعلام والمؤسسات الدولية معاناتهم، وتم تجاهل الحيف الذي لحق بهم من هذه الجماعات، وهي جرائم أكبر وأكثر عدداً بما لا يقارن من تلك التي كن ضحيتها أفراد من الأقليات أو الأجانب، بحيث أدى التعتيم على هذا الواقع في النهاية إلى ترسيخ المعادلة التالية في ذهن الكثير من الجمهور البسيط: (إذا كانت هذه التنظيمات تحارب الأنظمة والجواسيس والعملاء الأجانب وتفتك بهم، وإذا كانت هذه التنظيمات لا تعاقب إلا من يستحق من هؤلاء الأجانب والكفار، وتهدم التماثيل والأصنام، وطالما أن الشعوب المسلمة التي تحكمها هذه التنظيمات، تعيش راضية وسعيدة، فهذا يساوي حتماً أن هذه الجماعات صادقة صالحة، تحكم بالشرع وتقيم الدين) .

أذكر هنا كيف كان السنة العراقيون وفصائل المقاومة يصرخون في مواقع الانترنت، ويكتبون ويدونون كل يوم عن آلامهم ومعاناتهم من ارتكابات وتجاوزات وجرائم فرع القاعدة في العراق بحقهم، والذي تحول إلى (دولة العراق الإسلامية) وخاصة بين عامي 2006 و 2009، إلا أن أي وسيلة إعلامية لم تبد اهتماماً بذلك .

بالمقابل، كان كل إعلام العالم ومؤسساته الإنسانية والحقوقية تتفرغ لمتابعة أصغر حادثة تتعلق بأي ضحية غربي أو من الأقليات يسقط على يد هذا التنظيم، حتى إذا ما اضطرت فصائل المقاومة في العراق لحمل السلاح ضده، نظرنا نحن السوريون، ومثلنا كل المجتمعات العربية التي لم تعش تجربة هذا التنظيم وأشباهه عملياً، على أن كل من يواجه هذه (الجماعة المجاهدة) ويرفع السلاح ضدها صحوات مأجورون وعملاء مرتدون ! هذا طبيعي تقريباً، لأن الناس لم يكونوا يعرفون حقيقة الأمر وطبيعية التنظيم والجماعات المشابهة له في الصومال وغيرها، وهنا تكمن إحدى وجوه المؤامرة الحقيقية التي كان الإعلام العربي والدولي جزء منها بالفعل، ولكن ليس كما أعتقد الناس وتصورنا لفترة طويلة .

ظلت هذه الحقيقة الزائفة مسيطرة، إلى أن تفجر الخلاف والاقتتال بين القاعدة وداعش، فأخرج قادة القاعدة والكثير من منظري وأصحاب التجربة الجهادية من الأرشيف، كل ما يتحدث عن جرائم ( دولة العراق الإسلامية ) و ارتكاباتها المسكوت عنها بحق العراقيين، وبحق فصائل المقاومة السنية بالتحديد، وما خلفته هذه الجرائم من مصائب وأضرار على العراق ومستقبله، وما قدمته من خدمات للمشروع الإيراني في هذا البلد .

من هنا يبدو منطقياً أن يكون التعاطف والتأييد لداعش من البلدان التي جربت حكم التنظيمات المشابهة لها كالجزائر والصومال، بل وحتى من العراق – حسبما نلاحظ في مواقع التواصل الاجتماعي – أقل بكثير، مقارنة بالتأييد الذي تتحصل عليه من مواطني الدول الأخرى، كتونس ومصر وبعض بلدان الخليج، ناهيك عن فئة من مسلمي الغرب .

فبينما عرفت الشعوب في البلدان التي جربت حكم وسيطرة من اصطلح على تسميتهم بين الجميع اليوم بـ(الخوارج) حقيقة وطبيعة هذه الجماعات بالتجربة، ولمستها وعاينتها بشكل مباشر، لا زال الكثيرون من أبناء الدول والمجتمعات الأخرى التي لم تعايش بعدُ هذه التجربة، لا يعترفون بما يقال وينقل عن داعش وبوكو حرام وأشباههما .

هذا بسبب الإعلام بالدرجة الأولى، ولكن ذلك لا يعفي من المسؤولية قادة ومنظري الحركة الجهادية، ممن وقفوا ضد داعش ورفضوا هذا التطور المروع لتيارهم، فهم ورغم دفع الأمة ثمناً باهظاً لبوحهم المتأخر جداً جداً عن المسكوت عنه في التجربة العراقية، لا زالوا يصمتون ويمسك أكثرهم عن مواجهة تجارب أخرى في مناطق أخرى لا تقل أخطاء ومساوئ! وهذا هو تماماً ما يريده الذين يسعون لتدمير الأمة ذاتياً وتفتيتها بيد أبنائها، بحيث لا يمكن بالنسبة لهم القبول بوعي استباقي لدى الشعوب العربية والإسلامية بحقيقة وطبيعة هذه التنظيمات، أو أن تكون لدى هذه الشعوب حصانة مسبقة ضدها، بما يكفي لمنع انتشارها في مجتمعات جديدة .

إن توفر مثل هذا الوعي وهذه الحصانة، يعني قطع الطريق على تنفيذ مخططات مقررة أو محتملة، تهدف لإيصال (الدعشنة) وجماعاتها إلى كل بلد من بلاد الأمة بالدور وبالتدريج، ومرة أخرى، على عكس ما يعتقده الكثيرون من العرب والمسلمين. فبينما يعتقد الكثيرون أن الجميع متضامن فعلاً لمحاربة هذه الجماعات ومحاصرة فكرها وتمددها والسعي للخلاص منها، بأدوات وأسلحة مختلفة بينها الإعلام، فإن ما يجري حقيقة، هو تضخيم الأذى الذي تتسبب به داعش وأمثالها للآخرين، مقابل تجاهل أو تمييع أو زعزعة الثقة بحقيقة المعاناة التي تسبب هذه الجماعات للشعوب والمجتمعات العربية والإسلامية، كحد أساليب المساعدة على نشرها .

سلسلة محكمة، يبدو أن الثورة السورية هي وحدها من استطاعت أن تخترقها، وإن كان بصعوبة وثمن باهظ، فهل تكون تضحيات هذه الثورة الكبيرة والمؤلمة، ثمناً كافياً لفضح هذه الجماعات المعلولة، ونقل صورتها الحقيقة لا المخادعة إلى بقية الأمة، بما يساعد على إفشال المخطط المستمر لمن يقف خلفها، ممن يريدون تدمير ما تبقى من الأمة بحراب هذه الجماعات ودماء شبابها ؟ .

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل