لعبر على تركيا وجدد عقدي واتوظف , محمد سيد حسن

بعد ولادة الحكومة السورية الموقتة الرشيدة علينا أن ندرك حجم مسؤوليها و مسؤولياتهم تجاه رعاياهم، ونقول لمن هم في الداخل: "يا جماعة تفاءلوا بالخير" .. الآن الحمد لله ولدت حكومتنا العتيدة بمدينة غازي عنتاب، والوزراء والموظفين والحراس والحجاب.. همهم وهدفهم الوحيد التفاني في خدمة المواطن.. ولحساسية صفاتهم، وضرورة حياتهم لا بد أن نقدّر وضعهم ولا نفتش عن سقف راتبهم لأن إقامتهم بالخارج وكلفة المعيشة عندهم تحتاج إلى نفقات كبيرة، وبالتالي آلاف الدولارات التي يتقاضونها لا تكفي مصاريف شخصية، فما بالكم من هو بصفته الوظيفية الرفيعة.. ما أنشره من خلال مشاهدتي وما جرى بمحاولة إعادتي لوظيفتي في مقر وزارة الاتصالات .. أجسده بدون خضوعه لمقص الرقيب يا حضرات.

العبور

الكل يعلم أن أصحاب المقام العالي بدءاً من رئيس المخفر وانتهاء بأصغر موظف بالحكومة المؤقتة يحتاج التواصل معهم إلى تحضيرات مسبقة وبرتوكولات معروفة .. نسقت مع صغار الوزارة على موعد للزيارة، وحزمت أمري وينك يا تركيا وبدأت رحلة العبور، وبدأت تتعثر من نقطة معبر باب الهوى الحدودي كونه لم يبق على إغلاقه إلا ساعة .. عنصر الحر المرابط على الحاجز " راسو وميت سيف لا يسمح لي بالدخول لزعمه أن الوقت قد تأخر، والأتراك سكروا الحدود"، و بعد جدال وسجال ولم يبق مكاناً لطولة البال .. فرجها الله وأذن لي بالدخول وعبرت الحدود، واستقليت حافلة توصلني إلى مدينة عنتاب التركية وكل " بالي عند سياتو " كي لا أتأخر على الموعد المحدد وبالتالي أقعد ملوماً محسورا.

المبنى الأبيض
بما أن الغريب أعمى ولو كان بصيرا بدأت أسأل على المنطقة التي فيها الحاشية والوزير، و " طول سيرة " حاولت كتير حتى انتهى بي المطاف أمام المبنى الأبيض، وقبل أن أهمّ بالدخول حسنت هندامي، ومسحت عرقي من شدة التعب، واللهب، ودخلت على الوزارة بكل أدب .. قرعت الباب وتسللت بهدوء كي لا يقال عني أرعن، أو متأثر بالانفجارات من البراميل والحاويات.. استقبلتني موظفة بابتسامة صفراوية تجلس خلف مكتب وشاشة الحاسب أمامها وبعض الأوراق مبعثرة على مكتبها .. التقط أنفاسي وبكل هدوء القيت التحية وسألتها :" لو سمحتِ .. سيادة الوزير موجود؟، هناك موعد مع سيادته، وأعتذر عن التأخير.

وجهاً لوجه مع الوزير
انتظرت أمام باب مكتبه، وأذن لي بالدخول، ولم يفصل بيني وبين سيادته إلا خطوات.. أنا والسيد الوزير وجها لوجه!!.. الله أكبر.. ننهض معاليه من على كرسيه واتجه الى الباب مرحباً وبالأحضان ضامّاً ومعانقاً، وبكل حفاوة وتكريم مستقبلاً، ومن عادة المسؤولين حتى يكسروا حاجز الخوف والرهبة عند الضيوف والزوار يسألون أسئلة عامة مثلاً " إن شاء ما تعذبت بالطريق؟.. كيف البلد، وكيف الأهل؟".. الرجل كان دمث الأخلاق حقيقة " وإلا شوي بدو يحلف يمين يعزمني على الغدا " المهم .. قدمت اعتذاري عن التأخير، واستأذنته لنبدأ اللقاء والتصوير، لكن بحضور المسؤول الاعلامي في الوزارة.. انتهى اللقاء وشكرته على سعة صدره وحسن استضافته.

إذا درت عشارك فاحتلبها

كان لا بد لي أن أكون انتهازياً واستغل الموقف، وقلت في نفسي:" يا ولد طلوب من سياتو عقد عمل أسوة بالآخرين، وباعتباري ابن الوزارة وعندي خدمة 32 عام ومقطوع الراتب منذ 24 شهر، ومن حقي ابحث عن مصدر رزق لعيالي، لا سيما أنهم قد أبرموا عقودا لمن هم ليسوا من ملاك الوزارة، وعليهم ألف إشارة استفهام وتعجب وإشارة".

تنحنحت واعتدلت، وبصوت منكسر قلت:" سيادة الوزير أنا وضعي كذا وكذا .. بدي ما عوف ديني الرجل كان كتير متجاوب.. مباشرة طلب من مسؤول الاعلام السيد (ح) أن يجهز لي عقداً وأبدأ العمل خلال أيام.. حضرني قول الشاعر:

إذا درّت عشارك فاحتلبها ـــــ فإن الخافقات لها سكون ..

"طلوب يا ولد منه كاميرا تصوير"، لأن عقد العمل سيكون في مجال الاعلام، فأمر الوزير بإحضار الكاميرا قال لـ ( ح ): اذهب وأمّن له الكاميرا، غاب دقائق وعاد بخفي حنين وقال:" الكاميرا هي الآن في مكتب منبج"، وغاب عن ذهنه أن منبج تحت سيطرة الدواعش، يعني ( بح ) ما في كاميرا وهي أول "دفشه".


برافو .. نجحت بالاختبار

لكي لا يقول سيادته لزقت في مكتبه، حشمت حالي وفزيت، وفي مكتب الآنسة التي كلفت بملء استمارة لي وإجراء بعض الاسئلة الشكلية الروتينية حسب كلام سيادته حليت، "ومو حلوة بحق الوزارة وقع عقد بدون اختبار"، ونزلت فيني الآنسة أسئلة .. اسمك، وسنك، وعملك قبل الثورة، وأثناء الثورة، وعدد أولادك، ولو فرضنا أنك لاحظت عملا يسيء للوزارة ماذا أنت فاعل؟، ولو صرلك فرصة عمل خارج سوريا، هل تترك الداخل وووو؟"، قالت لي: برافو .. نجحت بالاختبار الحمد لله .

انتقلت إلى المسؤول الاعلامي وقال لي: " سوف ارسل لك ما هو مطلوب منك من تصوير، أو برومو، أو تقرير، وعندما ترسل عملك نقيّمه، وعلى موجبه يكون التعين وتوقيع العقد "، شكرته وكل من كان حاضرا، واستأذنت وعلى جناح السرعة خرجت، واستقليت حافلة، ووليت وجهي شطر الريحانية، ومن ثم الأتارب.

مكافأة 100 دولار
كنت أحمل في جعبتي الكثير من كلام السيد الوزير، ولا بد أن أفرغ كلامه ليصار نشره على صفحات الجريدة، وانتظرت أياماً ولم يخرطني أحد، وانتظرت، وانتظرت.. بعدها اتصلت مستفسرا، لكن لم يرد على اتصالي أحد، وفي المرة الأخيرة كان الرد هو حرفيا:" بناءً على طلب الوزير، تم صرف مكافأة مالية بقيمة /100/ دولار أمريكي لقاء جهودك في نقل الصورة الحقيقية لوزارة الاتصالات والنقل والصناعة يرجى منك التكرم بالحضور الى مقر الوزارة لاستلام المبلغ، أو توكيل أحد الأشخاص من قبلكم لاستلام المبلغ بالنيابة عنكم بوكالة خطيّة موقعة منكم ".

راسلتهم مستفسرا عن عقد العمل كان الرد: " للتوظيف آلية معينة تعتمد على نتيجة مقابلة وتقييم كل من مدير القسم المعني ومدير الموارد البشرية. نعتذر منك، لم تكن نتيجة التقييم ضمن المجال المقبول".


تعا اتفرج يا سلام على وزارة هل الأيام

لم تنته الحكاية يا سادة يا كرام .. قررت الذهاب الى مدينة عنتاب التركية لأقف على حقيقة ما تكرم به معالي الوزير عليّ بالموافقة على عقد عمل في الوزارة، وذلك عندما شعرت أنهم قد "زحلقوني"، ولكي أقف على سبب رفضهم لي، أو بالأصح ضحكهم عليّ .. "بلا طول سيرة"، تفاجأت برد المسؤول الاعلامي في الوزارة السيد " ح " عندما وضع هاتفه الجلاكسي أمام ناظري، وبنظرة توحي لي أنني مذنب قائلاً:" أليس لك هذا التعليق وأنت كاتبه؟،.. قلت له: نعم،.. قال: كيف تكتب هذا الكلام على الحكومة وتريد منها أن توقع عقد عمل عندها؟"، وما أنا كاتبه بالحرف الواحد هو: " من لم يهتم بأمرنا ويحرص على حياتنا فليس منا، وحري بنا أن نسقطه مهما كانت الجهة التي تتبناه وتدعمه من إئتلاف ومجلس وطني وحكومة مؤقتة وغرب وشرق ووو … عار عليكم أن يموتوا أطفالنا بلقاح فاسد، فأنتم والنظام في الجريمة سواء ..


وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون"..

"طلع الحق عليّ فعلاً .. شلون بجيب معدل الحكومة، وبدوس عتبة وزارتها بعد ما حكيت عليها، وفوقها بقدم طلب عقد عمل عندها؟".. حقيقة أنا ما عندي اخلاقيات متل ما فهمني الأستاذ (ح)، والأمر فيه وقاحة حقيقية مني عدم المؤاخذة، .. كان لازم انبطح من مدخل عنتاب، وادخل على الوزارة كواع وركب، وأقول بصوت عالي "والله ندمان يا سيدي " .. لكنه زاد من الشعر بيتاً "حينما قال لي:" ثم أنت مضروب أمنياً، أجرينا عليك دراسة، وكانت النتيجة سلبية جداً.

صحت بعالي الصوت يا لطيف الطف، "أشو .. مضروب أمنياً، وتقيمي سلبي كمان؟، .. الله أكبر،.. قال أنا مضروب أمنياً قال؟، قلت له:" الله يبشرك بالخير .. أصبح عندكم مخابرات تابعة للحكومة المؤقتة وترصد حركة كل واحد فينا في الداخل وتقيمه؟،… كم كنت أتمنى أن يكون في جعبتي حجارة لألقمه.

هذا ما جرى من رحلة عبوري الى تركيا، أسألكم بالله ..ألا تستحق هذه الوزارة أن نغني لها "واش رح لها يا وزاراتي"؟.

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل