قراءات في المشهد السوري في ظل تطورات ما بعد مقتل الكساسبة , ميسرة بكور

كتب : ميسرة بكور |

في خطوة قد تبدو مستغربة للعديد من المراقبين والمتابعين للشأن السوري، أعلن نظام دمشق عن معركة أسماها “معركة الحسم” في محافظات جنوب البلاد، إضافة إلى منطقة الغوطة الغربية في محافظة ريف دمشق.

وهنا نطرح سؤال يضاف إلى جملة من التساؤلات حول قيام نظام دمشق بفتح مثل هذه الجبهة في ظل تراجع قواته أمام ضربات المعارضة المسلحة في عديد المناطق السورية؟

هل بإمكان بشار الأسد المضي قدماً بمثل هكذا معركة مفتوحة على مساحة واسعة من جنوب سورية؟ مع العلم بأن قوات المعارضة المسلحة في المنطقة الجنوبية وعلى عكس نظيراتها في المناطق الشمالية من سورية تتمتع بقوة كبيرة وتتمتع بقدر عالي من الانضباط ولديها غرفة عمليات موحدة. مثال ذلك “تشكيل الجيش الأول”، والذي استطاع تحقيق عدد من الانتصارات في الشيخ مسكين وتحرير اللواء 90 دفاع جوي وهو يعتبر من أقوى ألوية الدفاع الجوي في سورية، فضلاً عن تحرير عديد من المناطق حتى بات يهدد بقطع طريق درعا – دمشق الدولي ومنع الإمدادات عن قوات النظام التي تعيش شبه حصار في قلب مدينة درعا.

ما الذي استجد حتى دفع بشار الأسد وحليفيه الإيراني واللبناني “حزب الله الإرهابي المتطرف” بالإقدام على هذه الخطوة والتي هي بمثابة مغامرة في ظل ما ذكرناه من تراجع قوات الأسد في عديد من الجبهات جنوباً وشمالاً؟

يبدو أن نظام دمشق وحليفيه الإيراني واللبناني قد قرأوا المشهد بشكل جيد ولكن على ضوء التطورات الدراماتيكية المستجدة بشكل آني.

فبعد إعلان تنظيم الدولة قتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة بهذه الطريقة البشعة المدانة، بالإضافة للتغير الحاصل في المملكة العربية السعودية بوفاة الملك عبدالله وتولي الملك سلمان وتغيير جذري للطاقم الذي كان يعمل مع الملك الراحل عبدالله آل سعود رحمه الله، والأحاديث في الأروقة المغلقة عن إعادة بناء تحالفات العربية السعودية الذي فرضه التهديد الإيراني عن طريق وكلائه في المنطقة أمثال “حزب الله” في لبنان، وميليشيات الحوثي وانقلابها على الرئيس في اليمن، الحراك الشيعي في البحرين، سيطرة ميليشيا الحشد الشعبي في العراق، طموح الأكراد في الانفصال.. إلخ.

والحلف الجديد المتوقع أن ينشأ حسب مراقبون “سعودي تركي” ربما يضاف إليه باكستان، طبعاً وكل من يدور في فلكهم، وسيكون في أولوية هذا التحالف الجديد في حال حصوله: الوقوف في وجه التمدد الإيراني المتسارع. وبطبيعة الحال القضاء على نظام دمشق نصرة للشعب السوري أحد أهم أذرع إيران في المنطقة.‎

وبالعودة إلى مسرح العمليات في الأردن على ضوء قتل الكساسبة، نلاحظ بأن الأردن أعلن بأن مقتل الكساسبة سيكون نقطة فارقة في حربها ضد تنظيم الدولة. وقد أعلن اللواء منصور الجبور “قائد سلاح الجو الأردني” أن الحملات التي نفذها سلاح الجو الملكي خلال الثلاثة أيام الماضية، دمرت 19 هدفاً من مراكز التدريب التابعة للعصابة الإرهابية و18 هدفاً من مستودعات ذخيرتها و19 وكراً لمقاتليها.

وفي تصعيد آخر لموقف الأردن ضد التنظيم، وفي صبيحة يوم الجمعة الماضي يقوم الأردن بنشر مئات الجنود على الحدود الأردنية العراقية، كما يصل سرب طائرات “أف 16” إماراتي إلى الأردن. كذلك الأمر إعلان بريطانيا عن إرسالها لـ2000 خبير عسكري للتدريب وطائرات بدون طيار وتجسس لدعم التحالف والأردن ضد تنظيم الدولة.

يضاف لها تصريحات السيد “جون آلن” مستشار أوباما ومنسق التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة عن قرب الهجوم البري على مناطق تواجد التنظيم. وكان التصريح الأكثر وضوحاً ما نقل عن السيد “أوباما” بأنه لا يمانع من تواجد قوات برية لدعم عمليات التحالف الدولي في حربه ضد تنظيم الدولة.

أعتقد بأن الرسالة وصلت لنظام دمشق وفهمها جيداً، الأمر الذي يفسر حملات التهجم على مملكة الأردن والتصعيد الإعلامي ضدها. فضلاً عن تصريحات وليد المعلم ضد الأردن.‎

هذه المعطيات هي التي دفعت نظام الأسد لفتح ما وصفها بـ”معركة الحسم”، فقد وجد نفسه محاصراً في دمشق إثر تقدم قوات المعارضة المسلحة من الجنوب إلى حدود الغوطة الغربية في محافظة ريف دمشق. الأمر الآخر قيام جيش الإسلام بقصف مواقع النظام ومراكزه الأمنية في قلب دمشق بالصواريخ وحالة الفزع بين صفوف مؤيدي نظام الأسد الذين استوطنوا أحياء كانت تسمى آمنة في دمشق.

نظام الأسد علم يقيناً بأن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام هو بمثابة سحب آخر ورقة بيده وهي الحرب على الإرهاب، وتعويله على أن يكون طرف في الحرب ضد الإرهاب فشل فشلاً ذريعاً، ويعلم حق العلم بأنه لم يعد أمام المجتمع الدولي أي مبرر لحالة الصمت على جرائمه وبالتالي التفرغ للقضاء على حكمه تحت أي عنوان من العناوين.

نظام الأسد والحرس الثوري الإيراني – الذي يقود العمليات الآن في جنوب دمشق – بعد أن اعتقل منهم العديد وعرضوا في الإعلام قرر فتح هذه الجبهات في تكتيك هدفه تشتيت جهد المعارضة، وعدم تمكنها من اقتحام دمشق في حال قيام أي عمل بري من قبل التحالف الدولي ضد التنظيم. والهدف الآخر هو منع حصار النظام في دمشق السيناريو الذي كان يريد تطبيقه على مدينة حلب.

أعتقد أن جملة العوامل التي ذكرناها هي الدافع وراء التصعيد ضد دوما وفتح جبهات في الجنوب. ولم يكن الدافع هو قوة النظام وتماسك جبهاته بل هي عملية الهروب إلى الأمام.

مدير مركز الجمهورية للدراسات وحقوق الإنسان‎

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل