في توقيت الفرصة الحاسمة .. ما الذي ستكسبه النصرة إذا خلعت جلباب القاعدة ؟

كتب : عقيل حسين |

والحقيقة أن قضية إعلان زعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني البيعة لأمير القاعدة الدكتور أيمن الظواهري، كان ردة فعل بالأصل، وقرار الهدف منه انقاذ النصرة، في ظرف كادت أن تنتهي الجبهة فيه.

لقد أدى التحاق القسم الأكبر من عناصر النصرة ( المهاجرين ) بداعش، بعد الإعلان عن (الدولة) إلى غلبة عددية للعنصر السوري في الجبهة، كما شكل فرصة كبيرة لإظهار الوجه الحقيقي للمقاتل غير السوري، الذي هب لصرخات السوريين وجاء ليدافع عنهم، بعيداً عن المشاريع والسياسة، فضلاً عن تكفيرهم وقتلهم..

لقد كانت الفرصة سانحة أمام النصرة وبقوة لتقديم نفسها على أنها: فصيل إسلامي سلفي، سوري التكوين، يحتضن المهاجرين الذين قدموا إلى سوريا بهدف الدفاع عن السوريين والانتصار لهم.

وللظهور كما يريدها السوريون من جهة أخرى: فصيل جهادي واعٍ، يتكون من سوريين منتمين لهذا الفكر، ويقوده سوريون لهم تجارب تاريخية في هذا المجال، ويضم مهاجرين طيبين ودودين، لا يريدون فرض شيء على السوريين، ولا يهدفون لحكمهم، ويتجنبون إرهاقهم فكرياً واستراتيجياً.

باختصار، هذا ما كان يتصوره السوريون عن النصرة وعن المهاجرين القادمين ليشاركوا في قتال النظام معهم، قبل أن تجري التحولات المعروفة، وخاصة مع ظهور داعش، لكن قيادة الجبهة لم تتمكن من الخروج من القالب إلا في حدود.

ما حدث لاحقاً، وبعد أن بدأت الجبهة بتقديم الوجوه السورية كقادة، أن النصرة (ومعظم الفصائل الإسلامية الأخرى) وقعت في فخ المزاودات التي جرتهم إليها داعش، وكان أحد وجوه هذه المزاودات، السعي لاستقطاب أكبر عدد من العناصر، وبدى واضحاً سعي النصرة المستميت لاستقطاب المهاجرين بأي ثمن، فتم عزل أبو ماريا القحطاني، الشاب العراقي الذي حظي بقبول كبير لدى الجميع، وتعيين الأردني سامي العريدي بديلاً عنه كشرعي عام للنصرة، بينما شكلت كلمة الجولاني تعليقاً على ميثاق الشرف الثوري الذي أصدرتها كبرى الفصائل في العشرين من أيار 2014 تكريساً للخطاب التقليدي، ورسالة غير ودية للموقعين عليه، حيث هاجم ما ورد في الميثاق حول (سورية الثورة).

وقتها لم يقل أي فصيل من الفصائل الموقعة على الميثاق بحظر دخول (المهاجرين)، وبالطبع لم يلب دعوة زعيم النصرة الآلاف من هؤلاء المهاجرين، الأمر الذي يؤكد الهدف السياسي من هذه الدعوة، وأن الجولاني كان يريد من جديد تسجيل نقطة جديدة في سلة خصومه في داعش!

لم يتغير الكثير على هذا الصعيد منذ ذلك اليوم إلى اليوم، لكن الذي تغير أن أعداد المنضمين للنصرة من السوريين ازداد، فتوسعت قوة التنظيم حتى استعادت الجبهة عافيتها تماماً بعد انتكاسة خسارتها الكبيرة أمام داعش، تنظيمياً مع اعلان الدولة الإسلامية في نيسان 2013، وميدانياً بخروجها من دير الزور والرقة نهاية 2014.

اليوم ومع التحركات الدولية والإقليمية بخصوص سوريا، وما يبدو أنه ترتيبات جدية يتم الإعداد لها لإحداث تغيير عميق في سير الصراع فيها، فإن جبهة النصرة أمام تحديات كبيرة، بل ومصيرية بمواجهة هذا التغير، يفرض عليها التفكير بشكل حاسم حول الذات (كتنظيم) من جهة، وحول المصلحة العامة للشعب السوري ومصير ثورته.

لقد أذهلتني في الواقع كلمة (أبو عبد الله الشامي) أحد قادة النصرة مؤخراً حول هذا الموضوع، وفيها ظهر موقفه منسجماً مع الشرعي العام سامي العريدي، في مهاجمة من يدعو لفك ارتباط الجبهة عن القاعدة، حيث سرد الشامي خطاباً مطولاً عن الدور المحوري الذي لعبته القاعدة في التاريخ العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، والذي لا يعلو عليه حسب رأيه أي دور، حتى وصل – حسب رأيه – إلى أن الأمة بدون القاعدة لم تكن قبل شيئاً ولن تكون بعدها شيء!

طبعاً لا يمثل هذا الرأي كل أهل النصرة، ومقابل ذلك فإن الكثير من القادة ومن مختلف المستويات، بمن فيهم أيمن لظواهري زعيم القاعدة – كما قيل – يروون أن من المصلحة العامة والخاصة، خلع جلباب القاعدة.

وبالفعل، فإن القول برفض التخلي عن اسم القاعدة، يظهر من جديد الانتصار للخطاب الإيديولوجي الذي اصطلح على تسميته بالنسبة للقوميين واليساريين بالخطاب الخشبي، بينما إعمال العقل المتجرد من الهوى والترسبات، سيظهر إلى أي حد سيكون من مصلحة جبهة النصرة فك الارتباط بالقاعدة.

فهي أولاً ستسقط ذرائع استهدافها من قبل الدول التي هي في حالة حرب مع القاعدة، بينما لن تخسر النصرة جراء ذلك سوى اسم القاعدة الذي يعرف الجميع أنه لم يفدها بمال أو سلاح أو ذخيرة أو مؤن، اللهم إلا في ردفها بالخبرات العسكرية، وعدد محدود من المقاتلين.

ثانياً: لن تخسر النصرة من العناصر والقادة جراء انفصالها عن القاعدة، إلا من لم تنجح طيلة هذا الوقت بإصلاح فكره ومعالجة غلوه، والذي سيكون أكبر مؤشر عليه، أنه يقدس اسم القاعدة ويقدمه على كل مصلحة، بما فيها حقن دماء السوريين وتسريع خلاصهم من مأساتهم.

ومقابل خسارة هؤلاء الذين من المتوقع أن يكون عددهم محدوداً، فإنه –وحسب توقعاتي- ستكسب النصرة أعداداً كبيرة من المقاتلين الذين سيتدفقون للانضمام لها، وهؤلاء الشباب المنتظرين، ترددوا طيلة الوقت الماضي بسبب وضع الجبهة على لائحة الإرهاب.

ثالثاً: سيكون أمام النصرة فرصة تاريخية لإدخال السلفية الجهادية دائرة العمل السياسي وبناء الدول، بعد أن اقتصر نشاطها طيلة العقود الماضية على القتال والتخفي في الجبال، وغياب أي مشاريع بنائية.

هذه النقطة جداً مهمة، وقبل أن يجادل البعض بأن الهدف إذاً "ترويض النصرة وجرها للسقوط في فخ العمليات السياسية"، فإن ما يجب أن يعيه الجميع أن الحالة السورية التي غيرت الكثير، وحطمت أيضاً قواعد القبول والرفض ومعاييرهما، بحيث أصبحت الدول كلها تتعاطى مع الفصائل الثورية باعتبارها حالة سياسية حقيقية، يمكن تفهم وتقبل ايديولوجيتها أياً كانت، باعتبارها حق من حقوق الانسان، طالما أنها لا تحمل العداء للغير (بهدف العداء فقط)، وبالتالي، فإما أن يبدأ العمل الجدي لبناء دولة حقيقية في سوريا، تكون ثمرة تعب وعرق وجهد كل الثوار من كل الفئات، وإظهار السلفية الجهادية بأنها صاحبة مشروع انساني حضاري كما تدعي فعلاً منذ أربعين عاماً، رددت دائماً خلالها أنها لم تمنح الفرصة لتطبيقه، وأنها ليست مجرد تنظيمات حرب وقتال، وهو الأمر الذي يبدو أن حركة أحرار الشام قد وعته جيداً، فهل ستعيه النصرة.

شاهد أيضاً

بشار الجعفري في مؤتمر جنيف نبي أو مفاوض !؟

بشار الجعفري في مؤتمر جنيف نبي أو مفاوض !؟

الحدث | كتب : أحمد حسن محمد | سوريا 24 | بشار الجعفري في مؤتمر …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل