غربان الموت, إلى أين؟ , سياسة , خالد قنوت

غربان الموت, إلى أين؟ , سياسة , خالد قنوت , لشبكة سوريا 24 , 4 شباط 2014

 

 


في سبعينات القرن الماضي كان الطيار السوري قمة في الشموخ و التقدير و محط إعجاب السوريين جميعهم, فقد كان مشهود لهم بالشجاعة و الاقدام منذ حادثة الشهيد فايز منصور و العقيد خضر ابن دير الزور عندما وقف على قدميه المبتورتين ليقدم التحية العسكرية عند عودته إلى الوطن بتبادل للأسرى عام 1974. من منا لا يذكر بطل الجمهورية أديب الجرف ابن مدينة السلمية الذي أسقط عدد من طائرات العدو عام 1973. حتى طيارينا الذين تعرضوا لهزيمة سنة 1982 إبان الاجتياح الاسرائيلي للبنان و إعلان الأسد وقف إطلاق النار من جانب واحد بعد أربعة ايام فقط من بدء الحرب, كان السوريين يحملون في قلوبهم المحبة و العرفان لفدائيي الوطن حيث بطائراتهم المتواضعة الأداء يقارعون أحدث سلاح جوي في العالم.
كان في حينا, في زقاق الصخر بدمشق, نقيب طيار حوامات و آخر ميغ 23. كانا فخراً للحي و للمنطقة. كنا أطفالاً و كباراً نقف لمشاهدتهما بلباسهما الرسمي الأزرق و النجوم تزين كتفيهما و يجتمع المارة عندما يرتديان اللباس الخاص بالطيران و قد حملا خوزتيهما ذات اللون الأبيض و الغطاء الأسود.
طيار الحوامات, سرح من الجيش و عانى الأمرين و اليوم هرب لاجئاً في إحدى الدول الاسكندافية, بينما الآخر قتل في حادث الطائرة الليبية التي عبرت المتوسط حتى وصلت لعمق الأراضي الإيطالية بعد أن فقد الوعي و هو في مهمة تدريب هناك.
خلال خدمتي الإلزامية خدمت بعدة مطارات عسكرية سورية, كان التباين واضحاً بين طياري السبعينات و بين طياري التسعينات. معظم الطيارين الذين التقيت بهم كانوا محبطين و متأففين و مستعدين لعمل الكثير حتى يستريحوا من الخدمة أو أن ينتقلوا إلى المخابرات الجوية حيث السلطة و التسلط و الثروة. قليل منهم كان يحمل تلك الشآمة و الاعتزاز بكونه طيار سوري يحمل من السمعة الطيبة و العزة الكثير رغم إدراكه بتواضع إمكانيات السلاح الذي يعمل عليه بما يقابله في البلد المعادي له في المنطقة.
كانوا يهمسون لبعضهم, عن أيام العز, ايام اللواء ناجي جميل الذي كان قائد القوى الجوية, حيث كانت الامتيازات و العطاءات تنهمر عليهم و الدعم المادي و المعنوي و لكن كل ذلك ذهب إلى جيوب بعض المتفذين في سلاح الجو و مخابراته و صارت الطلعة الجوية التدريبية هي عملية انتحار لندرة وجود قطع غيار للطائرات.
في حادثة حصلت بوجودي بالخدمة, تم فرز عدد من السيارات السريعة الحديثة لصالح ما يسمى الدرجة حيث على الطيارين أن يكونوا جاهزين على عدة مستويات تسمى الدرجات للتصدي للطيران المعادي, سبب هذا العطاء الأسدي هو تعطل كل السيارات القديمة الروسية الصنع و حتى سيارة الاسعاف منها حيث توفي طيار مصاب على الطريق من المطار لمدينة حمص في طريق استغرق اربع ساعات في حين تقطعه السيارة العادية بنصف ساعة. المهم أن هذه السيارات تم سحبها من قبل قيادة المطار لأن معظم الضباط لا يملكون سيارات لتنقلاتهم و يلاقون الأمرين في المجيء و العودة كل يوم للمطار من بيوتهم. لا أدري مالذي حدث بعد ذلك لأني انهيت خدمتي هناك.
ما سبق أن ذكرته كان في حالة استرجاع ذاتية لوجوه الطيارين الذين قابلتهم آنذاك, و أنا أرى البراميل المتفجرة تنهمر على أهلنا في المدن السورية و تحصدهم عائلات و بيوت و وطن. لا أصدق أن واحداً منهم يمكن أن يقوم بهذا العمل الجبان و الخسيس. أقولها بصراحة, لقد سمعت بالعديد منهم قد سرح من الخدمة و عدد منهم مازالوا و لكني لا أشك لحظة بوطنينتهم و حبهم لسورية و للسوريين و استعدادهم للتضحية بأرواحهم من أجل الذود عنهم.
طبعاً, كان القليل منهم يحمل حقداً و نزعة طائفية و كانوا معروفين للجميع لأنهم كانوا يتمتعون بمزايا لا يتمتع بها الآخرين و كان لهم ارتباطات مع جهاز المخابرات الجوية الرهيب, و حتى هؤلاء كانوا متواضعي الأداء الفني و لديهم أخطاء في القيادة و التحكم بالطائرة و قلما وضعوا على جدول الطيران.
منذ عقود, عمل نظام الأسد الأب على تفريغ هذا السلاح الهام, و كان هو أحد أفراده, من كل العناصر الشجاعة و المتميزة و القادرة على تطوير هذا السلاح إما بالتسريح أو بالتجميد أو بالإهانة عندما يمنع ترفيع عدد من الضباط ليصعد آخر له الحظوة و الثقة من قبل القيادة ليصبح قائداً لهم. هذا ما رأيته بأم عيني في مطار حماة حيث تم تجميد ضابط فني متميز استطاع أن يعيد ترميم طائرة محطمة بجهوده و خبرته لكنه أغلق على نفسه باب غرفته سنوات و سنوات لأنه جمد برتبته العسكرية بينما يرى مستجدين له قد تجاوزوه و صاروا أعلى رتبة منهم و عليه أن يقدم لهم التحية العسكرية.
قد يكون لدى النظام طيارين مرتزقة يعملون على قتل الشعب السوري و لكن قد يكون ايضاً هناك طيارين يرمون ببراميل الموت يومياً دون أن يرف لهم جفن و هم يحملون الهوية السورية و لكنهم لم و لن يكونوا سوريين يوماً منذ أن عملوا مخبرين على رفاقهم في السلاح و منذ أن هبطت على أكتافهم النجوم بدون عناء سوى مسح أحذية بيت الأسد و قادة أجهزة مخابراته.
من يرمون حمم الموت على حلب و داريا و حمص و حماة و دير الزور و إدلب و الغوطتين و حوران, ليسوا سوريين و ليسوا من البشر أيضاً, هم غربان الموت, قتلة مأجورين و القتلة المأجورين لا جنسية لهم و لا ضمير لهم, مصيرهم محاكم الإعدام التي لن تغفل عنهم و لو ركبوا بحور العالم. فإلى أين؟

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

  • ماهر السيد

    مقال جميل استاذ خالد .

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل