على عكس العادة..رسالة الابن يستكملها الأب , الدكتور حسن عبيد يكمل مسيرة الدكتور الشهيد محمد أبنه

الطبيب حسن عبيد: ما أقوم به من باب المروءة..وأكتفي بالقول "ياحيف"

في ظلّ الظروف العصيبة، التي يشهدها الشمال السوري، ومدينة حلب وريفها على وجه الخصوص، وأربع سنوات من القتل والتدمير، والجرائم التي تنتهك كلّ الشرائع، ضاقت صدور الكثيرين من العاملين في القطاع الصحي عن تحمّل أعباء الحياة، خاصة مع تركيز النظام على استهداف المشافي الميدانية، الأمر الذي جعلهم يختارون النجاة بأنفسهم وبأولادهم، فضلاً عن تدهور ظروفهم المادية، بفعل الغلاء الفاحش، وفقدهم لمباني عياداتهم وتجهيزاتها.

الطبيب حسن عبيد، واحد من أبناء مدينة الأتارب في الريف الحلبي، والتي تكاد طائرات النظام لا تغادر سماءها، لتمطرها بالقذائف الصاروخية، والبراميل، ومع ذلك، آثر على نفسه إلا أن يكون باراً بأهله حتى النهاية، بالرغم من فقده لولده، محمد حسن عبيد، والذي كان يعمل ضمن الطواقم الطبية في ريف حلب المنكوب، نتيجة للقصف على مدينة الأتارب، حيث ظلّ هناك إلى جانب أهله، معتبراً أنّ ما يقوم به ينبغي أن يكون القاعدة التي يسير عليها أطباء البلد، وليس استثناء. ولهذا، فقد اختار البقاء في الداخل السوري، يمارس عمله كطبيب ضمن مديرية صحة حلب الحرة في مدينة الأتارب، على أن يغادر البلد، رغم عقود العمل المغرية التي عرضت عليه ،للعمل في تركيا.

الاتحاد برس حاورت الطبيب حسن عبيد، حول بعض القضايا الملحّة، والتي تشكّل أكبر اهتمامات السوريين المتواجدين في المناطق المنكوبة عموماً، والريف الحلبي على وجه الخصوص، حيث قمنا بتوجيه الأسئلة التالية له:

• يواجه الريف الحلبي ظروفاً صعبة، وخاصة منطقة الأتارب، التي تعتبر بؤرة توتر نظراً لموقعها الحساس في منطقة غالباً ما تستهدف من قبل طيران النظام، كونها تقع على مقربة من الحدود التركية، ما هي الوسائل والإمكانيات المتاحة لمعالجة الناس داخل الأراضي السورية؟

إنّ الوضع حالياً أفضل بكثير، بالقياس لفترات ما بعد 14-2-2012، و الذي نسميه عيد الشهداء بالأتارب، أو تندّراً " فالنتينو الأتارب "، حين دخل جيش النظام، و تبيّن أنه قوة اختلال غاشمة، تسرق وتقنص المارة، وتدمّر المنازل. في ذلك الوقت بدأت تغريبة أهل الأتارب بالنزوح الداخلي والخارجي، وحتى بداية شباط 2013، كنّا بحالة حرمان طبي تام تقريباً، كنّا محرومين من العلاج، والذي استخدمه النظام كسلاح حرب ضدّنا؛ كل ّمن يقدم عوناً (للإرهابيين)، كما يقول النظام، يحاكم بقانون الإرهاب.

بقيت أنا في الأتارب، فيما غادر أطبّاء آخرون إلى مناطق أخرى، بسبب القصف اليومي المتكرّر. حيث نعمل على مبدأ "معالجة فقيرة خير من معدومة"، كانت جهودنا شخصية وفردية خلال 2012، إلا أنه بعد تحرير الفوج /46/ في 18-11-2012، دخلت الحالة الطبية منعطفاً جديداً، و توسّعت الخدمات الطبيّة كثيراً، وبدأت منظمات الغوث الطبي تفتتح مراكز صحية، مثل عيادات الإغاثة الطبية لسوريا في شباط 2013، ومشفى الأتارب في أيار 2013، وتتالت العيادات والمشافي الميدانية، ومشافي تخصصية كمشفى التوليد، ومشفى العيون .

• وصلتنا تسريبات أن الحكومة المؤقتة قامت بتعطيل مكاتب خدمات الجرحى والمصابين في هاتاي، إلى أي حد سيزيد هذا الموضوع من العبء على كاهل الطواقم الإسعافية في المناطق الحدودية، والتي هي أصلاً غير مجهّزة بالشكل الكافي ؟

العبء موجود و قديم و ذلك بسبب التكلفة العالية، وسوء توزيع الدعم صار داء الشخصانية والمناطقية علّة فاقمت أدوائنا جميعاً . لكن، ولكي لا نقسو بالحكم على الآخرين، أذكر أن المشكلة كبيرة جداً، فمنظمة الصحة العالمية أعلنت منذ 2013 حالة طوارئ درجة ثالثة بسوريا، ولا توجد درجة رابع. ما.يعني أنك لدينا أكثر من عشرة مليون إنسان، انكسرت حلقة أمانه الصحي، من ترك للمسكن، إلى النزوح، إلى إصابات الحرب وتدني الحالة المعيشية، وعدم توافر المياه، وسوء خدمات الصرف الصحي، وتكدّس القمامة…كلّ ما سبق، يحتاج لتلافيه، بالحد الأدني، وجود ميزانية مصونة من المجتمع الدولي, الأمر الذي لم يتحقق من قبل المانحين .

• في ظلّ موجة البرد الشديدة التي عصفت بسوريا، ما هي أكثر الحالات التي راجعتكم لمعالجتها، ما هي درجة خطورة الحالات؟ وهل هنالك وفيات ناجمة عنها- لا قدّر الله؟

تكثر في الشتاء أمراض التهابات الطرق التنفسية العلوية، كالزّكام، والرّشح، والتهابات البلعوم، وتليها التهابات الطرق التنفسية السفلية الحادة. وهذه تشكّل مشكلةً عند الأطفال الرّضّع، خاصة دون السنة الأولى من العمر، حيث يشكّل التهاب القصيبات الشعري مشكلة خاصة، فهو قد يحتاج لدخول مشفى، وللأسف تؤدّي إلى حدوث وفيّات.

المشكلة سابقاً كبيرة، ولا توجد إحصاءات عن الوفيات إلا أنّه في عام 2008، كان لدينا 64 مليون إصابة بالفيروس المخلوي التنفسي " RSV " منها 160000 وفاة، على مستوى العالم.

يقال أن ّهذه العاصفة لم تكن إلا البداية..ما هي التدابير الاحترازية والوقائية لأمراض الجهاز التنفسي، وهل هنالك طرق إسعافية لتسخين حرارة الجسم، درءا ًلخطر الوفاة؟

إنّ الحلقة الثلاثية الشهيرة من الجهل للفقر للمرض هذه، هي سيدة الموقف. البعض يقول أنّ العاصفة هي عبارة عن قشة قصمت ظهر البعير، لا أكثر. وتنتقل هذه الأمراض عن طريق رذاذ الأنف والفم، الناتج عن السعال والعطاس. وبشكلٍ عام، فإنّ الوعي بالوقاية، يكسر حلقة العدوى، حيث نبدأ من غسل الأيدي قبل التعامل مع الرضيع، وعدم تقبيل الرّضّع من قبل الآخرين، فتلوّث المنزل بدخان السجائر ومدافئ الحطب، يزيد نسبة عدوى الرّضّع . فالرضيع عندما يصبح كثير التداول بين الأيدي تكثر إصابته بالعدوى خاصة عند التقبيل من الفم، وهي عادة شائعة في مجتمعاتنا، لدى التعامل مع الأطفال، ما يحوّل الأمر إلى كارثة. ومن المؤكد أن الأطفال، الذين يعتمدون على الإرضاع الطبيعي، هم أكثر مناعة.

في مناطقنا لم تصادفنا حالة إنخفاض درجة حرارة إسعافية دون الـ/35 /درجة مئوية. الأمر يحدث عادة في المخيمات، و النقطة الأهم هي بلل الملابس
في العلاج نركز على إزالة الملابس المبللة، وإدخال المصاب إلى غرفة دافئة، وتغطيته ببطانيات، والإسراع بتقديم سوائل ساخنة .

• علمنا أنك من بين عدد قليل من الكوادر الطبية التي ما زالت تؤدي رسالتها الإنسانية في الداخل السوري، مع أنك قدّمت ابنك الطبيب تقبله الله شهيداً في سبيل الواجب الإنساني تجاه أهلنا في سوريا، ما الذي يدفعك للتشبث بالبلد، وعدم المغادرة مع من غادروها؟.

الشهيد هو من يقدّم نفسه، وما فعلته فقط هو أنني لم أقف عائقاً في وجه ولدي، وهو من قدّم نفسه، أرجو له القبول. ليعذرني الجميع على صراحتي- أو وقاحتي- فأنا أعلنتها عندما رفضت عقد عمل في مدينة الريحانية في تركيا، فيما كنت في الأتارب أعمل مجاناً، وأستدين لأعيش. بقائي في البلد، لم يكن ثورياً، ولا وطنياً، ولا حتى إسلامياً، فقد تجد لنفسك أعذاراً وفتاوي في كلّ ما سبق كي تغادر. لكنني رفضت الخروج من منطق إنساني، سمّوها مروءة لو شئتم، فأعلب أهلي مشاركين ومطلوبين، و معظمهم مقاتلون وهم موجودون جواري في بلدة الأتارب، كان جوار بطولة وإقدام، جلّهم كانوا ثواراً شرفاء، مضى منهم أكثر من 40 شهيداً, لم أقبل أن أترك هؤلاء وأمضي . لدينا أطباء يأتون من بلدان الغرب ليكونوا عوناً إنسانياً لأهلنا, و نهرب نحن ..يكفي أن أقول " يا حيف ".

حاورته: نور مارتيني – الاتحاد برس – سوريا 24

شاهد أيضاً

بشار الجعفري في مؤتمر جنيف نبي أو مفاوض !؟

بشار الجعفري في مؤتمر جنيف نبي أو مفاوض !؟

الحدث | كتب : أحمد حسن محمد | سوريا 24 | بشار الجعفري في مؤتمر …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل