حوافز اقتصادية غيّرت مسار الثورة .. د.رفعت عامر

كتب : د.رفعت عامر | صدى الشام | سوريا 24 |

إن الحرمان من الحريات السياسية وغياب المؤسسات القادرة على إدماج قوى المجتمع في صناعة القرار المتعلق بحياتهم ومصيرهم وغياب سياسات التنمية المتمحورة حول الإنسان باعتباره وسيلتها وغايتها، وكذلك الاضطهاد والفقر والحرمان والتهميش وحالة الاغتراب الإنساني، كان سبباً في انطلاق شرارة الثورة السورية بعد أن تعثرت كل مطالب الإصلاح في سنوات حكم الأسدين.
استمرت الثورة سلمية كمطلب داخلي للسوريين على مدار الأشهر الستة الأولى، ولكن النظام استطاع بسياسته الدموية عسكرة الثورة ممهداً الطريق لأطراف خارجية مختلفة، تتعارض مصالحها مع مصالح الشعب السوري، بالتدخل والمساهمة في تحويل مسار الثورة من مطلب سوري داخلي محض إلى صراع أجندات ومصالح دول في الساحة السورية، من خلال وكلائها المحليين. وتدريجياً تحول السلاح من وسيلة للدفاع عن المظاهرات السلمية إلى غاية بحد ذاتها على أيادي أمراء حروب أصبح وجودهم مرهون باستمرار النزاع والعنف المحفز لتحقيق أهداف ومكاسب وجني ثروات تحت عناوين مختلفة دينية وسياسية لا تمت بصلة لمطالب الشعب السوري.
تتسم اقتصاديات الحروب والنزاعات المحلية بتدميرها الاقتصاد المنظم والمدار مركزياً لصالح السوق السوداء وإدارات أمراء الحروب في المناطق التي يحكمونها. حيث يصبح النهب والابتزاز والعنف ضد المدنيين شيئا طبيعياً يُمارس من قبل القوى المتصارعة على الأرض، يخوض فيها الجميع حربا للسيطرة على الموارد والممتلكات والمنشآت مستغلين ظروف الفوضى وتفشي الفساد والاتجار غير المشروع وانعدام حالة الأمن. حتى أصبحت الحوافز الاقتصادية الدافع الأساسي لهم في استمرار العنف والنزاع. ومن هذه الحوافز:
1- تجارة السلاح والحصول على الغنائم التي تشكل موردا مهما للقيادات العسكرية.
2- نهب وتقاسم الثروات الباطنية بين النظام والكتائب المسلحة وبعض العشائر.
3- التحكم بالمحاصيل الزراعية الأساسية وسرقة صوامع الحبوب ذات المخزون الاستراتيجي.
4- تجارة تهريب البشر وعمليات الخطف والابتزاز واستغلال النساء والأطفال.
5- الاستحواذ على المنشآت والمصانع واحتكار توزيع الخدمات والمواد في ظل غياب الأمن والفوضى.
6- سرقة الآثار والكنوز وتهريبها عبر الحدود.
7- الحصول على الإتاوات بسبب انتشار الأبنية المخالفة وشراء أملاك الدولة بأسعار بخسة.
8- تأجير المنازل والمحلات التي تركها أصحابها، وعلى الأخص في المناطق المسيطر عليها من قبل داعش.
9- الرسوم المحصلة من السيطرة على المعابر الحدودية وتجارة الترانزيت.
10- العمولات والإتاوات المحصلة لرجال النظام وأمراء الحروب من مرور الشاحنات المحملة بالمواد والسلع الغذائية من مناطق النظام إلى المناطق المحاصرة.
11- الإتاوات المدفوعة لرجال النظام على الحواجز الأمنية داخل المدن التابعة له (تراوحت مبالغ دخول الشاحنة المحملة بين 300 ألف إلى 3 مليون ل.س).
12- الدعم والمساعدات المحصلة من الدول والأطراف الداعمة لوكلائها في الداخل.
13- أتاحت الثورة للكثيرين من رموز المعارضة السياسية فرص تحصيل دخول استثنائية بسبب المال السياسي والدعم الموجه من دول ومنظمات لأهداف وأجندات خاصة بها. وأصبحت هذه الرموز موضوعياً صاحبة المصلحة باستمرار الأزمة، بصرف النظر عن النوايا الطيبة عند بعض منهم.
14- دفع النظام بسبب من وحشيته في التعامل مع الشباب المتحمس للثورة والبعد عن التطرف للخروج إلى الدول المجاورة، ودفعتهم الحاجة بالتحول إلى موظفين برواتب وأجور عالية في منظمات المجتمع المدني الممولة من جهات دولية لها أجنداتها الخاصة، وهاجسهم الرئيسي هو استمرار العمل، حتى صارت موضوعياً مصالح هؤلاء الشباب مرهونة باستمرار عمل هذه المنظمات الحاصلة على تمويل من بلدانها بذريعة النزاع في سوريا، وشكل غيابهم فرصة لحضور أصحاب الفكر المتطرف.
15- ارتبطت أيضاً مصالح عدد كبير من الموظفين في مؤسسات المعارضة السياسية باستمرار عمل هذه المؤسسات. وأصبح هاجس العاملين فيها هو الإبقاء عليها تحت ذرائع مختلفة، رغم أن الهدف من تأسيسها غاب كلياً عن عملها وأدائها؛ فهي مؤسسات فاقدة للكفاءة والفاعلية، وسياسة التوظيف فيها قائمة على المحسوبية والمحاباة.
إن مجموعة العوامل الاقتصادية المذكورة أعلاه، مضافا إليها كل العوامل والتعقيدات الدولية والإقليمية المتصارعة على الساحة، شكلت حوافز للنظام وشبيحته والكثير من أطراف المعارضة لاستمرار الحرب والعنف والنزاع. وهذا ما ساهم في حرف الثورة السورية عن مسارها الديمقراطي ومطالبها في الحرية والكرامة، وجعل الأزمة مستمرة وتعيد إنتاج نفسها.

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل