جبهة النصرة.. القاعديون الجدد؟! .. د.أحمد موفق زيدان

كتب : د.أحمد موفق زيدان |

سؤال المليون دولار وربما أكثر هل تفك جبهة النصرة علاقتها مع تنظيم القاعدة بزعامة الدكتور أيمن الظواهري؟، وهل تغيرت جبهة النصرة وأصبحت جبهة شامية؟ وهل حلف جيش الفتح الذي دخلت فيه جبهة النصرة هو حلف تكتيكي أم حلف استراتيجي بالنسبة لها؟ كلها أسئلة مشروعة ومنطقية في واقع سوري متغير بشكل دراماتيكي وسريع وسيلقي بتداعياته على المنطقة وربما العالم برمته. أعود بالقراء الكرام إلى شتاء 2013 حين كنت أغطي الثورة الشامية العظيمة في الغوطة؛ حيث كنا بصدد إعداد تقرير تلفزيوني عن جبهة النصرة، فأعدوا لنا إفطاراً شامياً بامتياز حوى أطباقاً متنوعة وعدة، لم تُصدق عيناي يومها ما أرى فابتسمت وحين سُئلت عن سر ابتسامتي قلت لهم قارنت بين هذه الأطباق الشامية الشهية وبين الخبز والشاي الذي اعتاد القاعديون المؤسسون القدماء على تناوله، وإذا أضفنا إلى ذلك طريقة ظهور أبومحمد الجولاني مع الأستاذ أحمد منصور في برنامج بلا حدود نرى التغير المظهري من زاويتين الأولى ممثلة بالجلوس على كراسي قيل إنها في مكتب محافظ مدينة إدلب، بينما اعتاد قادة القاعدة المؤسسون وحتى الآن على الجلوس في الجبال وعلى الأرض وخلفهم رشاشات وأسلحة، بينما الأمر متباين تماماً في مقابلة الجولاني، وفي ذلك رسالة واضحة من أن النصرة اليوم ليست هي القاعدة سابقاً، والأمر الثاني لباس الجولاني؛ حيث ظهر بالشروال الشامي والصدرية الشامية وبلا عمامة، فكان يقدم نفسه شامياً بامتياز للداخل وللخارج. الشام تُغير ولا تتغير، وبحسب تعبير محمد الماغوط فإن الشام تأخذ ولا تعطي، والصحابة الكرام حين وصلوا إلى دمشق رأينا كيف ألقت الشام بصماتها على طعامهم ولباسهم وطريقة إدارتهم وحكمهم، من هذا المدخل أستطيع أن أجزم أن ثمة تغيراً كبيراً طرأ في طريقة تعاطي جبهة النصرة مع الأحداث الشامية، وأنتقل الآن إلى التغير الفكري فأقول: إن جبهة النصرة ربما التنظيم الجهادي الوحيد التابع للقاعدة من قاتل تنظيم الدولة وخسر خيرة مقاتليه في تلك المعارك ودفع ثمناً باهظاً وسط تقاعس كثير من الجماعات الثورية وتحديداً بدرعا حين كان يقاتل تنظيم الدولة «داعش»، بينما لاذ الآخرون بالصمت، والأمر الآخر فإن خطاب الجولاني أرسل رسائل مهمة للداخل الدرزي والعلوي والمسيحي وطمأن كل من يكف عن الاصطفاف مع النظام ويقاتل معه ويعتذر عن الفترة السابقة، وقدم مثال تعاون القرى الدرزية في إدلب مع جبهة النصرة، والتي أشاد بها الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، بالمقابل فإن الجولاني حرص في اللقاء على حصر المعركة الشامية مع النظام السوري، وشدد على أنه غير معني بقتال أميركا رغم الغارات المتتالية التي شنتها على النصرة طوال السنوات الماضية. الكرة الآن في ملعب الغرب بشكل عام وأميركا بشكل خاص في أن ترد على خطاب الجولاني، والعقدة الأيلولية السبتمبرية التي تحكم البعض في أميركا وغيرها حين شنت القاعدة هجماتها على نيويورك وواشنطن ينبغي تجاوزها تماماً كما تجاوزتها أميركا نفسها بفتحها الحوار مع حركة طالبان أفغانستان التي آوت القاعدة وزعيمها السابق ودفعت إمارتها ثمناً لهذا الإيواء، يُضاف إليه أن واشنطن شطبت قاسم سليماني وحزب الله من قائمة المنظمات الإرهابية، وكان الأخير قد نفذ هجوما دموياً على المارينز الأميركي راح ضحيته أكثر من 250 قتيلاً، وللتذكير فإن عصائب أهل الحق العراقية التي كانت وراء عمليات استهدفت جنوداً أميركيين في العراق، لم تجد واشنطن غضاضة في التعامل مع ممثليها بالبرلمان العراقي، وهي التي تقاتل الآن في الشام، يُضاف إليه أن السياسة الأميركية شطبت منظمة التحرير الفلسطينية من قائمة المنظمات الإرهابية وتعاملت معها لاحقاً، وبالتالي فالارتهان إلى الماضي وتناسي الواقع وغياب البراجماتية قد يجر الويلات ليس على المنطقة وإنما على العالم الذي يُفضل بعضه التعامل مع ماضٍ غير موجود ويرفض التعاطي مع واقع مفروض عليه، فالحكم على الحاضر بأدوات الماضي خطأ خطير، سندفع ثمنه باهظاً. الواضح أن الانهيار لا ينتظر نظام العصابة في دمشق فحسب، وإنما الانهيار حصل للمنظومة الحاكمة للمشرق العربي كله وهي منظومة لإفرازات ما بعد الحرب العالمية الأولى؛ حيث تم فرض الحكم الأقلوي على الشام، وجاءت الاستباحة الإيرانية والروسية لثورة الشعب السوري باصطفافهما إلى جانب العصابة الحاكمة ضد طموحات السوريين، ثم حرمان الغرب وأميركا تحديداً السوريين من الحصول على مضادات الطيران لإنقاذ أرواحهم ومدنهم عبر الفيتو الذي فرضته على الدول العربية والإسلامية الداعمة للثورة الشامية ليؤكد أن الفراغ لم يعد فراغاً سورياً فقط وإنما فراغ إقليمي يخشى الغرب والشرق منه، فسوريا كدولة فاعلة أقرب ما تكون فاعليتها إلى فاعلية الاتحاد السوفيتي عشية انهياره والفراغ الذي خلفه، الفارق بينهما أن هناك فراغاً على مستوى عالمي، أما هنا ففراغ على مستوى إقليمي. أخيراً القوى السياسية والعسكرية السورية التي لا تزال تطالب النصرة وغير النصرة بتعديل خطابها السياسي عليها بالمقابل أيضاً أن تطالب الخصوم والأعداء من عصابات أسد وحثالات الميليشيات الأفغانية والباكستانية والعراقية وحزبلاتية ومن ورائهما إيران وروسيا والنظام العراقي إلى القيام بالمثل، فلا يُعقل أن يقدم الجولاني خطاباً جديداً بعيداً عن خطاب القاعدة، ويقدم المجلس الوطني السوري ثم الائتلاف خطابات تطمين للأقليات، بينما العدو والقاتل على الأرض يستشرس بخطابه ويمعن بممارساته الإجرامية، والدليل النظر إلى شعاراته الطائفية المتصاعدة والرافضة للآخر تماماً لبيك يا حسين، ولبيك يا خامنئي، ولبيك يا زينب .

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل