تركيا .. انتقال الصفر إلى اليمين .. صبحي حديدي .

كتب : صبحي حديدي |

يجمع كثير من المراقبين أنّ النقلة التركية الأخيرة ـ حول الدمج بين الردّ العسكري على حزب العمال الكردستاني و»داعش»، وترقية التدخل في الشأن السوري إلى مستوى المطالبة بمناطق آمنة ـ ليست نوعية بالقياس إلى قرابة أربع سنوات من التقلّب في المواقف التركية، فحسب؛ بل هي مقامرة، جيو ـ سياسية إقليمية، بقدر ما هي داخلية، تضع على المحكّ رصيد «حزب العدالة والتنمية» أوّلاً، ثمّ بعض أبرز عناصر التفوّق والشعبية حول شخصية زعيم الحزب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه، تالياً.
صحيح أنّ الطرف التركي يمسك بالكثير من الأوراق التي تتيح له حظوظاً أعلى في كسب رهانات عديدة، والخروج ظافراً من حيث المبدأ، والمعطيات الراهنة، خاصة لجهة القدرات العسكرية والتفاهم على قواعد اللعبة مع الولايات المتحدة. إلا أنّ الصحيح الآخر هو أنّ المقامرة، مهما بدت حساباتها دقيقة ومضمونة، تظلّ رهينة عنصر ما، مجهول، أو سلسلة عناصر قد تطرأ فتقلب المعادلات رأساً على عقب. ليست مضمونة، على سبيل المثال الأوّل، طبائع ردود الأفعال الشعبية التركية على هذه النقلة، بأسرها، حين تأزف ساعة الانتخابات المبكرة؛ وهي مرجحة، بالطبع، وتدخل في صلب الاعتبارات الجوهرية التي قادت أردوغان إلى المقامرة. وليس واضحاً، في مثال ثانٍ، مدى تقبّل الشارع الشعبي التركي، حتى داخل صفوف «العدالة والتنمية»، للنزيف البشري الذي سينجم عن عودة الـ PKK إلى أعمال العنف، وقطع العملية السلمية بين الكرد الأتراك والحكومة المركزية. وليس مؤكداً، ثالثاً، أنّ التوافق الراهن بين واشنطن وأنقرة يمكن أن يظلّ متطابقاً على هذا النحو العالي، إذا أدّت تطورات الأرض في سوريا، والتجاذبات الإقليمية المختلفة، وملامح إيران ما بعد الاتفاق النووي، إلى إجبار البيت الأبيض على تعديل السياسات.
من جانب آخر، ها أنّ «العدالة والتنمية»، ولكن تركيا الدولة استطراداً، تدقّ مسماراً غليظاً في نعش تلك الركيزة الكبرى التي صاغها، ذات يوم، رئيس وزرائها الراهن أحمد داود أوغلو، وظلت ناظمة للسياسة الخارجية التركية منذ نجاح الحزب في حيازة أغلبية برلمانية مريحة: خيار «الدرجة صفر في النزاع» مع الجوار، من منطلق أنه أياً كانت الخلافات بين الدول المتجاورة، فإنّ العلاقات يمكن تحسينها عن طريق تقوية الصلات الاقتصادية. وفي الماضي كانت تركيا تحاول ضمان أمنها القومي عن طريق استخدام «القوّة الخشنة»، واليوم باتت «الدول التي تمارس النفوذ العابر لحدودها، عن طريق استخدام القوة الناعمة هي التي تفلح حقاً في حماية نفسها»، كما ساجل داود أوغلو في كتابه الشهير «العمق الستراتيجي: موقع تركيا الدولي». وبالفعل، نجحت تركيا في تطوير علاقات متعددة المحاور مع القوقاز، والبلقان، وآسيا الوسطى، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والبحر الأسود، وكامل حوض المتوسط، والشرق الأوسط العريض؛ ولم تعد أسيرة علاقات تقليدية مع الغرب، أو متلهفة على حيازة عضوية الاتحاد الأوروبي.
اليوم انتقل الصفر التركي من اليسار إلى اليمين، وعلى نحو يفتح كلّ الدلالات على مفاعيل قوّة خشنة، لا مفرّ من أن تخسف قوّة سالفة بدت مؤثرة في نعومتها فقط. فكيف، في المقابل المكمّل، إذا كانت تركيا عضواً في الحلف الأطلسي، تجني من هذه العضوية سلسلة منافع في تعزيز أمنها القومي والجيو ـ سياسي الستراتيجي؛ وهذا عنصر يحفظه جنرالات تركيا عن ظهر قلب، وتحفظه معهم أحزاب معارضة لكنها متشددة في قوميتها التركية، على نحو يدغدغ ذلك المزيج من التربية الإنكشارية العثمانية، والغطرسة الكمالية المتقنعة بالعلمانية، والرسوبات العنصرية ضدّ الكرد، والأطماع التوسعية الكلاسيكية… ثمة ما يغري بالمقامرة، إذاً، وبالكثير منها أيضاً!

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل