تحركات الملك سلمان المكثفة تنبئ بتحالفات وسياسات جديدة في الشرق الأوسط , إسماعيل جمال

كتب : إسماعيل جمال

منذ وفاة ملك السعودية عبد الله بن العزيز، يقود الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز سلسلة من التحركات على الصعيد العربي والإقليمي والدولي تنبئ بحدوث تحالفات جديدة في الشرق الأوسط، تؤدي إلى تغيير كبير في سياسات ومواقف العديد من دول المنطقة.
الملك سلمان، وخلال أسابيع قليلة من توليه الحكم، استقبل في العاصمة السعودية الرياض أكثر من 15 زعيما، منهم رؤساء وملوك دول الخليج العربي، والرئيس المصري والعديد من المسؤولين الآخرين، لكن أبرزهم كان استقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي شهدت علاقات بلاده مع المملكة تراجعاً كبيراً على خلفية انتقاده الحاد والمتواصل للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ولما يصفه بـ»الانقلاب العسكري» على الرئيس السابق محمد مرسي.
هذه الزيارة وإن لم يرشح عنها جديد حتى الآن على أرض الواقع، أظهرت بعداً جديداً في السياسة الخارجية السعودية، وفتحت الباب واسعاً أمام التكهنات باحتمال وجود اتفاق مبدئي بين السعودية وتركيا على تأسيس حلف عسكري من أجل العمل على اسقاط رئيس النظام السوري بشار الأسد.
هذه التحركات وغيرها فتحت الباب واسعاً أمام التساؤلات والتكهنات حول العديد من الملفات في المنطقة، أبرزها مستقبل العلاقات السعودية المصرية من جهة، والعلاقة مع الإخوان المسلمين من جهة أخرى، وعلاقات قطر وتركيا والخليج خلال الفترة المقبلة، لا سيما في ظل الحديث عن زيارة وفد من «إخوان مصر» للمملكة، وأنباء عن قرب دعوة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل لزيارة الرياض.
وعن التحالفات المتوقعة، يقول الباحث في الشؤون الإقليمية والدولية علي حسين باكير: «حاليا لا يتعلق الأمر بأحلاف، لكن هناك بالتأكيد مساعي ثنائية لتحقيق تعاون استراتيجي يرتقي إلى مستوى تشكيل تكتّل يضم عدّة دول إقليمية يجمع بينها الرؤية المشتركة في أمرين: طبيعة المخاطر المحدقة في المنطقة ولاسيما صعود حركات التطرّف المسلّح السنيّة والشيعية، وصعود النفوذ الإيراني بشكل غير مسبوق في المنطقة وبطريقة تهدد وحدة وسلامة الدول العربية التي تسيطر عليها طهران الآن وكذلك أمن كل من السعودية وتركيا والمصالح المشتركة للبلدين في المنطقة».
ورأى باكير في حوار خاص مع «القدس العربي» أن هذه الرؤية المشتركة تتطلب من البلدين توحيد الأجندات الإقليمية، مضيفاً: «المشكلة الوحيدة هي انّ الأجندة المختلفة لمصر تؤثر سلبا على الجهود التركية-السعودية لمواجهة هذه التحديات بل قد تؤدي إلى تفاقمها. ولذلك فان حل المعضلة المصرية بالضغط أو بالحوار أمر مطلوب وبشكل عاجل».
وحول إمكانية حدوث عمل عسكري سعودي-تركي في سوريا، قال باكير: «المملكة تؤيد الموقف التركي بخصوص ضرورة اقامة منطقة آمنة وحظر جوي ودعم المعارضة المسلحة المعتدلة وإخراج الأسد من المعادلة، لكن موضوع التدخل العسكري سيعتمد بتقديري على نتيجة المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية حول الملف النووي لان الجانب الأمريكي ربط للأسف الملف السوري بهذه المفاوضات، وهو يعرقل أي عمل عسكري ضد الأسد خوفا من ان يدفع ذلك الجانب الإيراني إلى ترك المفاوضات. امّا وقد اقتربت هذه المفاوضات من نهايتها فان احتمالات التدخل العسكري المباشر التركي والسعودي ستكون عالية جدا اذا ما فشلت هذه المفاوضات في التوصل إلى النتيجة التي يسعى الجانب الأمريكي إلى تحقيقها».
مصادر تركية خاصة، رفضت الكشف عن إسمها، قالت في تصريحات لـ»القدس العربي» إن لقاء أردوغان مع الملك سلمان شهد بحثا معمقا للأزمة السورية، والخيارات المطروحة لدعم قوى المعارضة التي وصفها بـ»المعتدلة»، متوقعاً أن تقدم كلاً من أنقرة والرياض على خطوات وصفها بـ»الجريئة» من أجل تسريع إسقاط رئيس النظام السوري بشار الأسد، وأشار إلى أن ذلك سيكون على الأغلب عقب الانتخابات البرلمانية التركية المتوقع إجراؤها منتصف شهر حزيران/يونيوالمقبل.
ولفت المصدر إلى أن العلاقات بين الإدارة الأمريكية والحكومة التركية ما زالت تشوبها الكثير من المشاكل، في ظل الرفض الأمريكي المتجدد لطلب أنقرة بإقامة «منطقة آمنة» داخل الحدود السورية لحماية المدنيين ولتخفيف العبء المتزايد عليها جراء وصول عدد اللاجئين السوريين في أراضيها إلى قرابة مليوني لاجئ.
وعن الدور القطري المتوقع، اعتبر علي باكير أن «الاتفاق التركي ـ السعودي سيضم إليه بالتأكيد دولا إقليمية أخرى. وقطر عضو طبيعي في هذا التفاهم التركي ـ السعودي لان نظرتها لمجربات الأمور في المنطقة ولطبيعة التحديات التي تواجهها مشتركة أيضا مع كلا الطرفين بالمجمل. العلاقات القطرية- التركية ممتازة، والعلاقات القطرية- السعودية حاليا ممتازة أيضا، فقد تعافت بشكل سريع. المثلث القطري ـ التركي ـ السعودي مثلث مهم جدا للمنطقة بإمكانه بما يمتلك من قدرات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية ان يؤثّر على أي قضية إقليمية يتّخذ فيها موقفا مشتركا، وان يحوّلها لصالحه».
وفي رده على سؤال حول أمكانية عودة العلاقات المصرية التركية، قال باكير: «الأجندة المصرية تختلف عن أجندة المملكة وتركيا، فالنظام المصري لا يضع الخطر الإيراني كأولوية على ما يبدو وغير مهتم بموضوع الاطاحة بالأسد وأجندته تجاه الملف السوري والعراقي أقرب إلى الأجندة الإيرانية منها إلى الأجندة السعودية والتركية»، مضيفاً: «الجانب التركي كان ابدى استعداده في مناسبات عديدة الانفتاح في العلاقة مع مصر اذا ما قام النظام المصري الانقلابي بتعديل مساره الداخلي وسياساته الداخلية (…) ولذلك فان الكرة الآن فيما يتعلق بالملف المصري هي في الملعب السعودي».
وشدد باكير على أن «سياسات الملك سلمان تختلف بشكل كبير عن سياسات الملك عبدالله وبالتالي لن يكون هناك دعم مفتوح للسيسي خاصّة بعد ما اظهرته التسريبات من تهجم على دول الخليج ونهب للأموال التي تم تخصيصها لدعم الشعب المصري (…) موضوع الإخوان تراجع في سلم اولويات المملكة والمسألة لا تدور حولهم أصلا، على الإخوان ان يدركوا ذلك أيضا، فالمخاطر التي تحدق بالمنطقة أكبر منا جميعا».
وكانت مصادر سعودية وتركية تحدثت بشكل غير رسمي عن أن البلدين بلورا اتفاقاً أولياً على تنفيذ تدخل عسكري ضد نظام بشار الأسد في سوريا، متوقعةً حدوث ضربة مزدوجة لنظام الأسد وتنظيم «الدولة الإسلامية» بعد الانتخابات التشريعية في تركيا منتصف حزيران/يونيو المقبل.
وخلال اللقاء الأخير، أكد أردوغان والملك سلمان على ضرورة زيادة الدعم المقدم للمعارضة السورية «بشكل يفضي إلى نتيجة ملموسة».
سعيد الحاج الكاتب والباحث في الشأن التركي اعتبر أنه من المبكر الحديث عن تحالف عسكري أو تدخل فعلي من قبل تركيا والسعودية في سوريا، مشدداً على إن ذلك لا يمكن أن يحدث بدون موافقة وتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية أو قرار أممي بإقامة منطقة عازلة وهو اعتبره أنه ما زال مبكراً أيضاً.
وقال الحاج في مقابلة خاصة مع «القدس العربي»: «العلاقات الإيرانية الأمريكية تمر بمرحلة حساسة وأمريكا معنية جداً أن لا تغضب طهران حتى لا تكون سبباً في افشال الاتفاق النووي المتوقع بين طهران والدول العظمى، لذلك بدون إطار دولي لا يمكن لأنقرة أن تتدخل عسكرياً في سوريا».
وعن التحولات في السياسة السعودية، أكد الحاج أن «هناك إشارات واضحة على وجود تغير في سياسة الملك سلمان الذي يحاول المحافظة على التوازنات بعكس سياسة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز انطلاقاً من الشعور بالتراجع أمام التقدم الإيراني»، معتبراً أن «السعودية بحاجة إلى تركيا لتقليل النفوذ الإيراني وتركيا بحاجة إلى السعودية لتعزيز دورها ومكانتها في المنطقة».
وتوقع الحاج حصول زيارة للملك سلمان أو ولي ولي عهده إلى أنقرة خلال الفترة المقبلة، مشدداً على أن «الطرفين يرغبان بالاستفادة من بعضهما البعض»، مضيفاً: «قطر تلعب دور الوسيط وهي تتمتع بعلاقات وتوافق كبير جداً في سياستها مع تركيا».
والتقى أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، الخميس، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة التركية أنقرة خلال زيارة لم يعلن عنها مسبقاً، وتعتبر الثالثة للأمير القطري إلى تركيا التي وقع معها اتفاقية للتعاون الإستراتيجي تضمن أحد بنودها الدفاع العسكري المشترك وإمكانية نشر قوات من البلدين في أراضي كل منهما.
واعتبر الحاج أن «السيسي (الرئيس المصري) في موقف لا يحسد عليه، فعدم حضوره لجنازة الملك عبد العزيز وزيارته القصيرة جدا لاحقاً للمملكة تظهر بروداً في العلاقات وتوضح أن السياسة السعودية لم تعد كالسابق وأن الملف المصري بات يستنزف الخليج بعد فشل السيسي في ضبط الأمور» مستبعداً حدوث تقارب مصري تركي قريب كون «أنقرة وضعت شروطا وبدون تحقيقها لن تتغير الأمور».
وختم الحاج بالقول: «السيسي يحاول المناورة من خلال التلويح بالتقارب مع روسيا وإيران، وفي حال حدوث ضغط سعودي خليجي قوي عليه ربما نشهد صفقة لتهدئة بين الإخوان والنظام وبالتالي فتح الباب أمام مصر للدخول في تحالفات تضم تركيا».
الكاتب والمحلل السياسي السوري، عبد الرحمن مطر رأى أن تركيا والسعودية مؤهلتان للعب دور بارز ومؤثر جداً في الأزمة السورية إذا ما توصلتا لاتفاق على الأهداف، لافتاً إلى أن انقرة اثبتت قدرتها على المناورة داخل الأراضي السورية من خلال عملية نقل ضريح «سليمان شاه» الأخيرة.
وقال مطر في مقابلة خاصة مع «القدس العربي»: «لا شك ان تركيا استطاعت اثبات جدارة في التعامل على الأرض مع أكثر المناطق توتراً واشتعالاً اليوم، في سورية، وهو ما يؤهلها لأن تستعيد زمام المبادرة»، مضيفاً: «زيارة أردوغان للرياض، من شأنها أن تؤسس لبدء مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، التي وصلت الى حالة من الفتور السياسي المؤثر في المنطقة، فيما يتصل بموقف كل منهما من حركة الاخوان المسلمين. ولعل المصالحة القطرية ـ السعودية، تمنح الأطراف الإقليمية فرصة جديدة للتعاون بصورة اكثر فاعلية، لدفع الملف السوري نحو الواجهة الدولية مجدداً».
وتابع مطر بالقول: «على أن الخطر الحقيقي في المنطقة ليس تنظيم الدولة فقط، وأنه يتوجب وضع حدّ لمجازر الأسد اليومية، بما يقود إلى تخليص المنطقة من متلازمة الاستبداد والإرهاب، التي يغذيها الاحتلال الإيراني المباشر لسوريا، والمتمدد بشكل سرطاني، خارج سيطرة القوى في المنطقة. تركيا والسعودية مؤهلتان، لمواجهة تلك التحديات، ولفتح أفق جديد في الحالة السورية، بالشراكة مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي».

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل