تاريخ سوريا و تركيا .. الكثير من الأحداث بين الماضي و الحاضر .

ترجمات | فورين بوليسي | سوريا 24 |

يبدو أنه لا أحد، بما في ذلك الحكومة في أنقرة، واضحًا تمامًا في موقفه بشأن ما هي نهاية اللعبة التركية في سوريا. وسرعان ما حدث تناقض في التقارير الأخيرة حول الاتفاق بين الولايات المتحدة وتركيا بشأن إقامة “منطقة آمنة” على طول الحدود التركية، في حين أن مصطلحات مثل “المنطقة العازلة” و”المنطقة الأمنية” بدأت تظهر الآن. ومع حرص أنقرة على إقامة منطقة خاصة في سوريا؛ فقد تكون هذه لحظة جيدة لمراجعة تاريخ تركيا في التهديد بضرب جارتها الجنوبية، والنظر إلى أي مدى عملت تلك التهديدات في صالح تركيا.

في مناسبات عدة، أبرزها في عام 1937 وعام 1998، اكتشفت الحكومة التركية مدى فعّاليتها لاستعراض قوتها العسكرية على طول حدودها الجنوبية دون غزو كامل. في الواقع، فإنّ نجاح الحملات التركية السابقة قد جعل نهجًا مماثلًا يبدو جذابًا لصنّاع القرار في أنقرة الذين يحاولون تقرير ما يجب القيام به اليوم. ولكنّ مراجعة هذا التاريخ تشير إلى أنّه في غياب استراتيجية سياسية أو دبلوماسية متماسكة للمنطقة؛ تفشل تهديدات شنّ الحرب على سوريا في تحقيق الأمن الدائم والاستقرار داخل تركيا.

أردوغان و تركيا الحديثة , شبكة سوريا 24

تمتد جذور علاقات تركيا الكارثية مع سوريا في مقاطعة هاتاي، وهي منطقة جميلة تشتهر بتاريخها المسيحي والمأكولات الرائعة قبل الحرب الأهلية السورية. بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، كانت تلك المقاطعة، المعروفة آنذاك باسم سنجق الإسكندرون، خاضعة للسيطرة الفرنسية كجزء من الوصاية السورية. وبعد تأسيس أتاتورك الجمهورية التركية الحديثة في عام 1923، أصبحت هاتاي “المحررة” مصدر فخر واعتزاز وطني وشخصي. وعندما توقفت المفاوضات الثنائية في باريس بشأن مصير الإقليم في عام 1936، انطلق أتاتورك على متن القطار متجهًا نحو الحدود السورية، مهددًا بـ”التنازل عن منصبه وقيادة الجيش في السنجق بنفسه إذا لم يتم تقرير مصيره بطريقة تتفق مع شرف تركيا. كما قدّمت حكومة أتاتورك دعمًا سريًا لعصابات الحرب القومية التركية التي تخطط التمرد ضد الفرنسيين. ثم في عام 1937، وعلى النحو المفصل في كتاب سارة شيلد الرائع (طرابيش في نهر)، وسلك الطريق مرة أخرى لإثبات الحاجة الملحة لمطالب تركيا“. وفي المدن والقواعد العسكرية على طول الحدود، استعرض الرئيس جنوده؛ على أمل أن يترك الفرنسيين مع عدم وجود شك بداخلهم على استعداده لتسوية تلك القضية بالقوة.

المعركة ضد ولاية فرنسا على سوريا انتهت عشية الحرب العالمية الثانية، عندما وافقت فرنسا، وسط ضعف موقفها الاستراتيجي في أوروبا، على مطالب تركيا وأعادت هاتاي إلى السيطرة التركية. لقد ضمنت دبلوماسية الصبر واستعراض القوة في الوقت المناسب لتركيا مقاطعة جديدة ذات قيمة كبيرة، ثم حظيت الحكومة بولاء شعبها بعد عقود قليلة. في الواقع، كان الثمن الوحيد الذي دفعته أنقرة مقابل مكسبها الجديد هو عداء سوري استمر لنصف قرن.

واصل السوريون المطالبة بأحقيتهم في السيطرة على هاتاي؛ مما أدى إلى العديد من مشاكل خلال الحرب الباردة. لم يساعد القوميون الأتراك في إصلاح الأمور في خمسينيات القرن المنصرم عندما ردوا على الوحدويّة السورية من خلال الإشارة إلى أنهم لا يمانعون الحصول على مدينة حلب السورية، أيضًا. لقد ساعدت التوترات التركية السورية أثناء هذه الفترة على دفع دمشق نحو الاتحاد السوفيتي؛ مما مهد الطريق لتهديد آخر بالغزو التركي. وعندما بدا أنّ دمشق تنحرف بعيدًا في المدار السوفياتي في عام 1957، اقترحت الحكومة التركية بأنّ العملية العسكرية قد تضمن نظامًا سوريًا أكثر وديّة. اعترض دبلوماسيون أمريكيون على تلك الخطة، وأوضحوا أنّه رغم إعجابهم بحماسة مناهضة الشيوعية في تركيا، لكن ليست هناك حاجة لإقصاء العالم العربي من خلال غزو صريح في حين أنه يمكنهم الاستمرار بالتآمر وتخطيط الانقلابات بشكل سري بدلًا من ذلك.

في مجلس الأمن الدولي مبادرة .. من أجل وقف الهجمات بالبراميل المتفجرة في حلب , شبكة سوريا 24

لكنّ السياسة التركية نجحت في استعداء الدول العربية على أية حال. في ثمانينيات القرن الماضي، قاد الاحتكاك المستمر مع سوريا -الذي توسع ليشمل النزاع بشأن تخصيص مياه نهر الفرات- الرئيس السوري آنذاك، حافظ الأسد، لبدء دعمه لحزب العمال الكردستاني، والقوميين الأكراد الذين يشنّون الحرب ضد الدولة التركية. كما زوّد حافظ الأسد حزب العمال الكردستاني بالتدريب والسلاح كوسيلة ضغط ضد الجيش التركي الأكثر قوة، وسمح لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان بإقامة منزل له في دمشق. في النهاية، أظهر حافظ الأسد عدم قدرته على انتزاع أيّة تنازلات من تركيا، لكنه اقترب في النهاية أكثر من أسلافه من إثارة غزو تركي حقيقي. في عام 1998، احتشد الجيش التركي مرة أخرى على الحدود السورية، وطالب دمشق بوقف دعمها لحزب العمال الكردستاني. ومع الاعتراف بخطورة التهديد، امتثل الأسد وأخرج الأكراد من البلاد. (بعد وقت قصير من طرده من دمشق، تم اعتقال أوجلان من قِبل القوات الخاصة التركية في كينيا بمساعدة الاستخبارات الأمريكية).

ومع استغلال تركيا لنجاحها من خلال انتهاج حل سلمي للمسألة الكردية، كان من الممكن أن يصبح اعتقال أوجلان عملية تحويلية في العلاقات بين الطرفين. وبدلًا من ذلك، ضاعت فرصة التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض. وفي السجن، أظهر أوجلان استعداده للتعاون؛ حتى إنّ العديد في الجيش التركي أدرك أنّه لا يمكن تدمير حزب العمال الكردستاني بالقوة وحدها. وعلى مدى العقد الماضي، بذل حزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم في تركيا، جهودًا غير مسبوقة لتحقيق السلام مع حزب العمال الكردستاني ولكن لم يكن ملتزمًا تمامًا أو شجاعًا بدرجة كافية لتحقيق النجاح. الحركات الجريئة، مثل تقديم الحقوق الثقافية للأكراد، تغيّرت مع (وبموافقة الولايات المتحدة) هجمات جوية وبرية ضد قواعد حزب العمال الكردستاني في العراق مثل تلك التي حدثت في الأسبوع الماضي.

ولا يزال من غير المؤكد ما هي التدابير التي ستتخذها تركيا للحفاظ على اقتراح إنشاء “منطقة آمنة” في سوريا. حتى الآن، أظهر الجيش التركي نفسه بأنه صوت الاعتدال، في حين يبدو أن الحكومة التركية تفكر في اتخاذ تدابير توسّعية، إن لم يكن غزوًا واسع النطاق. يقدّم التاريخ لتركيا كل الأسباب التي تجعلها قلقة بشأن إنشاء ملاذ آمن لحزب العمال الكردستاني في سوريا، في حين تقدّم التطورات الأخيرة سببًا كافيًا للخوف من تنظيم الدولة الإسلامية. (وفي الوقت نفسه، فإنّ إعادة الوحدة بين نظام الأسد العدائي تبدو أكثر احتمالًا في هذه المرحلة أكثر من عودة الانتداب الفرنسي).

بشار الأسد , شبكة سوريا 24

في ثلاثينيات القرن المنصرم، فازت تركيا بمقاطعة هاتاي وخسرت سوريا. في عام 1998، تمكّنت من تخفيف وطأة الحرب الأهلية التي تخاطر الآن باندلاعها مرة أخرى مع تجدد الغضب. إذا كانت أنقرة تأمل اليوم بأن مجموعة من التهديدات والتدخل المحدود من شأنها أن تحل المشاكل الأكثر إلحاحًا في سوريا، فربما تكون محقة. ولكن إذا أثبتت القوة العسكرية فعّاليتها في إحباط المكاسب الكردية أو الجهادية؛ فإنها أثبتت تاريخيًا عدم قدرتها على تحقيق ما استعصى على تركيا تحقيقه منذ فترة طويلة، وهو حدود جنوبية مستقرة وآمنة.

شاهد أيضاً

بشار الجعفري في مؤتمر جنيف نبي أو مفاوض !؟

بشار الجعفري في مؤتمر جنيف نبي أو مفاوض !؟

الحدث | كتب : أحمد حسن محمد | سوريا 24 | بشار الجعفري في مؤتمر …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل