بين تجفيف المعابر والانسحاب من سورية , سياسة , وليد شقير

بين تجفيف المعابر والانسحاب من سورية , سياسة , وليد شقير

 

مع كل تفجير إجرامي في لبنان، يزداد الذهول من تفشي ظاهرة الانتحاريين الغريبة على المجتمع اللبناني، والجديدة حتى على تقاليد بعض التيارات الإسلامية المتشددة في لبنان وأدبياته، والتي ترفضها القوى السياسية كافة في الطائفة السنّية، التي تغلب عليها تقاليد الاعتدال وتدوير الزوايا الذي يفرضه منطق التعايش مع الطوائف الأخرى. فلغة الاعتدال والتسويات هي تمرين يومي في السياسة اللبنانية وحتى عند العامة، من كل الطوائف، وعند المسلمين، تفرضها الصيغة المتعددة الطوائف. وهو أمر ينطبق تاريخياً، وفي أحلك ظروف التناقضات الطائفية على المسلمين وتحديداً على السنّة، في النظام الطائفي الذي يحكم حياة اللبنانيين ويتحكم بها. وهو ما يسميه البعض «الفولكلور اللبناني».

وفي أوج ظهور التيارات المتطرفة قبل عقود، نتيجة تضافر الكثير من العوامل من ظلم الفقر الى العداء للغرب وأميركا بسبب موقفهما المنحاز ضد القضية الفلسطينية، لم يرافق هذا الظهور نشوء ظاهرة الانتحاريين في لبنان.

وعلى رغم معاندة البعض، فإن ظهور هؤلاء ومنهم من نفذ عمليات في سورية قبل لبنان، ثم على الأرض اللبنانية في الأشهر الأخيرة، فإن هذه الظاهرة لم تنتقل الى البلد الصغير، إلا مع تصاعد الأزمة السورية. لا مجال لنكران التزامن بين المسألتين وإلا يكون المرء كمن يدفن رأسه في الرمال، مهما حاول «حزب الله» أن ينفي الأمر، أو أن يرفض ربط انتقال هذه الظاهرة الى لبنان بتدخله في القتال الدائر في سورية.

وإذا كان طبيعياً أن يبادر وزير جديد للداخلية، كالنائب نهاد المشنوق، يؤمن بالعمق بدور الدولة في مواجهة الجرائم، مهما كانت خلفياتها السياسية وتبريراتها، فيتهيأ لإجراءات من أجل «تجفيف معابر الموت» التي تدخل منها السيارات المفخخة، ومن أجل ملاحقة اللبنانيين الذين يساعدون على عبورها أولاً بسرقتها ثم ببيعها لمصانع الانتحاريين في سورية، ثم بتزوير أوراقها الثبوتية وأوراقهم، ثم بنقلها الى داخل الأراضي اللبنانية عبر الحدود مع سورية، فلاعتقاده بأن على المؤسسة الأمنية أن تقوم بدورها المتاح على الأرض اللبنانية في مواجهة هذه الظاهرة الإجرامية حتى لو كان مبررها عند المتطرفين قتال «حزب الله» في سورية الذي يعارضه المشنوق نفسه. والأرجح أن الوزير المشنوق حين يطرح تعاون القوى السياسية كافة، (وهو يقصد تلك المتعاطفة مع الثوار السوريين، و «حزب الله» وحلفاءه الذين يقاتلون مع النظام) يدرك أن الأمر سيفرض التطرف لاحقاً، الى الحدود المفتوحة و «معابر الموت» المعروفة التي يستخدمها «حزب الله» في ذهابه الى سورية وايابه منها، بأعداد ضخمة، في شكل يومي، للقتال الى جانب النظام.

وإذا كانت إجراءات مواجهة الإرهابيين على الحدود، أمنية في الدرجة الأولى، طالما أن لا غطاء سياسياً لهم، وهي سياسية بقدر ما هو مطلوب تعاون الفرقاء السياسيين في محاصرة شبكات التهريب في مناطق نفوذها وهذا يشمل مؤيدي الثوار في عرسال وغيرها و «حزب الله» في مناطق أخرى، فإنه يدرك أن إقفال معابر المقاتلين الى جانب النظام، أي «حزب الله»، إجراء محض سياسي يتطلب قراراً من قيادة الحزب ومن إيران. إلا أن الحزب في غير هذا الوارد، بل إن أمينه العام السيد حسن نصرالله ذهب في رفضه ربط الأعمال الإرهابية الإجرامية التي يقوم بها المتطرفون، بتدخل الحزب في سورية، الى حد التأكيد لمناصريه وجمهوره، ولخصومه أن «لا تعديل» في قرار القتال في سورية و «أن نكون حيث يجب أن نكون»، وأن المسألة مسألة وقت (كررها 5 مرات). كما أن نصرالله رهن إمكان الخروج من سورية بالمصالحة بين السوريين.

خاطب السيد نصرالله جمهوره بدعوته الى «الصبر والتحمّل والتضحية والوعي» 11 مرة في خطابه الأحد الماضي. ولعلمه بتململ هذا الجمهور من تداعيات هذا التدخل في سورية عليه ومن إقحام البلد في صراع بات قرار إنهائه في يد الدول الكبرى لا اللاعبين المحليين، اضطر الى تشبيه التضحيات والتحمل والصبر التي مارسها جمهوره في مواجهة إسرائيل بتلك المطلوبة الآن. ومن الطبيعي في هذه الحال أن يغطي «حزب الله» حساباته كلاعب إقليمي بحجج كونية حول انتشار الإرهاب والتكفيريين وأعمالهم، من أفغانستان الى باكستان ودول الغرب وصولاً الى السعودية ودول الخليج… فأوحى سلفاً بأن تجفيف معابر الموت يجب أن يبدأ من أقاصي الأرض، لينجح في لبنان.

خلاصة القول، إن لا حدود أمام الحزب طالما أنه يعتقد أن «وضعنا ممتاز وقوي وظرفنا السياسي أفضل من أي وقت»، في تلك المعركة الكونية التي يخوضها.

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل