بوتين ضدّ أردوغان .. إحياء العظام الرميم ؟ .. صبحي حديدي .

كتب : صبحي حديدي | سوريا 24 |

ذات يوم اعتبر برنارد لويس، «بطريرك الاستشراق الإمبريالي» بلا منازع، أنّ سقوط القرم في يد الروس، سنة 1783، كان «نقطة الانعطاف في العلاقات بين أوروبا والشرق الأوسط». كان لويس، وهو الخبير في الشؤون التركية وأوّل باحث غربي يُفتح له الأرشيف العثماني، على حقّ هذه المرّة؛ رغم أنه ـ كما يُنتظر منه، في الواقع ـ تناسى، عامداً، ثلاث حقائق جيو ـ سياسية كبرى: 1) أنّ روسيا القيصرية لم تكن أوروبا تماماً، بمعانٍ عديدة جغرافية وسياسية وثقافية، ليس أقلّها الفارق المسيحي الأرثوذكسي مقابل الكاثوليكي؛ و2) أنها لم تكن جزءاً من المحاصصة الأوروبية الكولونيالية، بين بريطانيا وفرنسا أساساً، ثمّ بلجيكا وهولندا وسواهما؛ و3) أنّ السلطنة العثمانية كانت، للمرّة الأولى في تاريخها، تخسر أرضاً يسكنها مسلمون، لصالح قوّة مسيحية.
هل يعيد التاريخ نفسه، في دورة جديدة روسية ـ تركية؛ فيصحّ هذا الاستقطاب الثنائي (القيصر/ بوتين، ضدّ السلطان/ أردوغان)، الذي أخذ يجتذب المراقبين، ليس دون أسباب وجيهة في الواقع؟ منطق التاريخ ذاته لا يلوح أنه يسمح بهذا، لاعتبار جوهري أوّل هو أنّ التاريخ، وعلى عكس ما يُشاع، يندر أن يعيد نفسه (إلا بالمعنى الماركسي الشهير الساخر: مرّة في صورة مأساة، والأخرى في صورة مهزلة!)؛ ولاعتبار جوهري آخر، يخصّ ميزان القوى الراهن على الأرض، بين قوّتين يصحّ التذكير بأنّ إرثهما الإمبراطوري قد انحسر، لكي لا يسجّل المرء أنه اندثر.
وما خلا الصاروخ التركي الذي أسقط الـ»سوخوي 24»، فإنّ الحرب الراهنة بين السلطان والقيصر لن تتجاوز التراشق باللفظ والاتهامات والعقوبات الاقتصادية الرمزية، التي تهيّج الجموع بهدف التغطية على صراع الأجندات الإقليمي، وعلى الأرض السورية، ثمّ العراقية، تحديداً. كان في وسع الرئيس التركي أن يأمر طياريه بغضّ النظر عن اختراق القاذفة الروسية للأجواء التركية، خلال حفنة من الثواني؛ بل كان ممكناً تحويل المطاردة التركية في الأجواء، وإجبار الـ»سوخوي» على الانسحاب نحو مطار حميميم، إلى انتصار عسكري ودبلوماسي ربما، دون إسقاط الطائرة. وحتى لحظة انطلاق ذلك الصاروخ القاتل، كانت العلاقات الروسية ـ التركية على ما يرام، حتى إذا تباينت حول الملفّ السوري، في المقام الأول.
لكنّ أردوغان، وقد بات طليق اليدين بعد الانتصار الساحق في الانتخابات التشريعية، أراد تنبيه الجميع إلى أنّ تركيا تنوي الدخول في «المعمعة» الإقليمية بقوّة، أسوة بإيران وروسيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا… ليس هذا فحسب، بل إنّ تقدّم فوج تركي مدرّع إلى عمق الأراضي العراقية، في محيط الموصل، يؤكد عزم أنقرة على المضيّ في الهدف الأبرز من اقتحامها للمشهد المعقد: فرض واقع عسكري على الأرض، مباشرة أو عبر حلفاء محليين، يخلق «منطقة عازلة» كفيلة بكسر حلقات اتصال أي كيان كردي مستقلّ، في الشمال السوري أولاً؛ كما يضيّق الخناق، استطراداً، على كتائب «حزب العمال الكردستاني» أينما تواجدت في البلدين.
قد لا يصحّ، في المقابل، غضّ النظر عن جانب خاصّ في هذا التحوّل التركي، تكتيكي في المرحلة الراهنة على الأقلّ؛ عماده عدم ذهاب أردوغان منفرداً إلى هذه المواجهة مع بوتين، بل صحبة الحلف الأطلسي، ثمّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما، شاء هؤلاء أم أبوا! ولم يكن غريباً، والحال هذه، أن يعتبر البعض إسقاط الطائرة الروسية أوّل اشتباك عسكري مادّي بين روسيا والحلف؛ حتى إذا كان أعضاء الأطلسي الأوروبيون أسعد حالاً باجتذاب موسكو، أكثر من أنقرة، إلى ما يُسمّى «التحالف الدولي ضدّ الإرهاب».
وإذا جاز القول إنّ عظام الإمبراطوريتين، الروسية والعثمانية، باتت رميماً؛ فهل من المبالغة الافتراض بأنّ هوس إحيائها يتأجج في نفس القيصر، أسوة بالسلطان؟

صبحي حديدي

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل