بعيدا عن دموع التماسيح هكذا تنتهي أزمة اللاجئين السوريين .. فواز تللو .

كتب : فواز تللو |

يقول البعض أن اللجوء إلى أوروبا نعمة، لكن آخرين يرون تحمل هذه المخاطر للوصول إلى أوروبا نقمة، وأن هؤلاء الذين يخاطرون بحياتهم قليلو عقل أو دين، فقد كانوا يعيشون بأمانٍ نسبي مقبول سواء في بلدان اللجوء والمناطق المحررة والمحاصرة وتحت سيطرة النظام.

قارب عدد اللاجئين السوريين في أوروبا النصف مليون من أصل أربعة عشر مليوناً من اللاجئين والنازحين داخل وخارج سوريا، حوالي 1% من اللاجئين إلى أوروبا يفقدون حياتهم في رحلة اللجوء، وهو ما سيعني ثلاثة إلى أربعة آلاف في عام الذروة هذا، بينما من المتوقع أن يقتل النظام في نفس العام ما لا يقل عن ثلاثين ألفاً بالقصف وخمسين ألف معتقل تحت التعذيب مع العلم أن حملات الاعتقال لم تتوقف، كما سيبقى ملايين الأطفال بلا تعليم أو بتعليم قاصر، وسيموت آلاف الأطفال وحديثي الولادة في مناطق الحصار ومخيمات اللجوء خاصة في لبنان نتيجة سوء التغذية والعناية الطبية، وسيصاب خلال هذا العام عشرات آلاف السوريين وخاصة الأطفال بأمراض مزمنة كشلل الاطفال، وسيصاب هذا العام مائة ألف سوري جزء منهم أطفال بإعاقات دائمة كبتر الأعضاء نتيجة القصف وفقدان وسائل العلاج البسيطة نتيجة حصار لا يمارسه النظام فقط بل تمارسه مؤسسات الأمم المتحدة الفاسدة والدول الكبرى التي تذهب معظم مساعداتها في داخل سوريا لشبيحة النظام وعائلاتهم لتعينهم على القتل، ولا يصل شيء منها أبداً للمناطق المحاصرة، وتُحرم المناطق المحررة منها بشكل شبه كامل، بينما يسود فساد المنظمة الدولية واستهلاكها لكثير من الموارد لتمويل طاقم عصابة موظفيها الذين يتعيشون على الأزمات، وأخيراً بعض دول اللجوء التي يتنشر فيها الفساد وتتاجر باللاجئين لتسرق اللقمة منهم.

يصدر بعض رجال الدين وهيئاتهم المتعيشين على حساب الثورة وأصحاب المشاريع الحزبية “الإسلاموية” الرخيصة، يصدرون فتاوي “تُأثم” اللاجئين الذين يخاطرون بحياتهم بعد ذلك في رحلة الموت إلى أوروبا التي تبقى أقل كلفة بشرية ومادية بكثير عن المصير الذي يعيشه هؤلاء حاضراً وينتظرهم مستقبلاً، ويرى أحدهم أن ما يجري من مصائب في سوريا سببه “ذنوب” (اللاجئين) وأن الحل بالتوبة إلى الله، ويتمسح آخر بكل مسؤول عدو أو متصنع صداقة للثورة السورية ليبيع “اعتداله” دون أن يقطع مع النظام “وسيده الرئيس”.

على الجهة الأخرى وتحت عباءة “العلمانية” التي تتفيأ تحتها النزعات الطائفية الأقلوية، يبيع هؤلاء بضاعتهم بالشماتة ضمناً من اللاجئين “غير الشرعيين” الذين يدفعون ضريبة رحلة الموت معتبريهم دخلاء على أوروبا “المسيحية” التي يعتبرونها حكراً على الأقليات الدينية والقومية وليس لهؤلاء اللاجئين غير الشرعيين المسلمين “السنة” المؤيدين للثورة، بالتالي هم بالضرورة “متطرفين” وداعشيين بنظرهم خربوا سورية ولا يستحقون الحياة في أوروبا.

أما المفارقة الأكبر فتكمن في اتهام بعض السوريين “الثوريين” للاجئين بالهرب من المعركة وتفريغ سوريا لصالح الإرهابيين المستوطنين الشيعة مرتزقة ملالي طهران لتوطينهم، وهي اتهامات تصدر عادة ممن يعيشون بحبوحة الحياة خارج سوريا منذ ما قبل الثورة.

لكن الموقف الأكثر نذالة يأتي من مؤيدي النظام الذين لا يخفون شماتتهم بمعاناة اللاجئين ويساهمون فيها أينما استطاعوا (كلبنان مثلاً) مع شماتة خاصة بمعاناة وشهداء درب اللجوء الأوروبي لأنهم يدفعون ثمن تمردهم على نعيم القمع الأسدي ويشترك الإعلام الرسمي للنظام الطائفي في هذا الموقف لكن بشكل ضمني.

سياسياً تنسى المعارضة دورها بالدفاع عن حقوق اللاجئين في دول اللجوء غير الأوروبية ومراقبة الأموال التي يتم هدرها من قبل المنظمات الدولية وبعض الداعمين، والأهم أنها تنسى مسؤوليتها السياسية تجاه اللاجئين بحل المشكلة  من الجذور وهو الأهم بدل كل المعارك الدونكيشوتية للبعض لمعالجة الظواهر، سواء بطلب خيالي لفتح أبواب أوروبا أمام اللاجئين أو مكافحة المهربين، وما إلى ذلك من حلول وهمية، وفي هذه الأثناء يعرب البعض عن تقديره لبعض الأوروبيين لاستقبالهم اللاجئين، وآخر يتجنب انتقاد سياساتهم التي ساعدت في تفاقم الأمر بسبب حمايتهم الضمنية لجرائم النظام، لكن الطريف أن هناك تسابقاً لتجاوز الإشارة إلى المجرم الحقيقي أي السفاح الأسدي ونظامه الطائفي والتركيز على أكباش فداء كالمهربين (وهو كبش فداء يروق للحكومات الأوروبية)، أو التركيز على ممارسات بعض الحكومات الأوربية من دول المرور أو على بعض الممارسات العنصرية “القليلة جدا” لبعض الأوروبيين، ليتم القفز مباشرة إلى الاسطوانة المشروخة الممجوجة “لابد من حل سياسي” مع إصرارهم على جعل المجرم الذي سبب كل ذلك للاجئين شريكاً ومحمياً في هذا الحل.

هناك حلان ممكنان لمشكلة اللاجئين، الأول جذري ويتعلق بوصول الوضع في سوريا إلى نهاياته، وهنا يوجد خيارين أيضاً، الأول الخيار الخبيث للمجتمع الدولي بالحل السياسي الحالي الذي يحافظ عملياً على النظام الطائفي ويحمي قتلته، وهو حل لن يسمح للغالبية الساحقة من اللاجئين بالعودة في ظل مخطط تهجير طائفي يهدف لخلق واقع ديموغرافي جديد وهو أمر لن يمر وسيعني استمرار الصراع  لفترة أطول مع ما يعني ذلك من تفاقم أزمة اللاجئينً، يقابل ذلك الخيار الثاني متمثلاً بدعم الثورة السورية عسكرياً للتخلص من النظام الطائفي ومؤسساته الأمنية والعسكرية وهو فقط ما سيسمح ويشجع اللاجئين على العودة، وهو الخيار الذي يجب على المعارضة التركيز عليه في ظل موت الحل السياسي الممكن.

الحل الثاني وهو الأكثر إمكانية والأسرع تأثيراً وفعالية، فيكمن في تحويل كل المناطق المحررة إلى مناطق آمنة يُفرض فيها حظر جوي مع فتح ممرات إغاثة إنسانية “بالقوة” للمناطق المحاصرة ومنع قصفها، وذلك بانتظار وصول الأمور في سوريا إلى نهايتها أتت سريعاً أو تأخرت لا تأثير كبير، فمن المؤكد أن معظم السوريين في الخارج في ظروف اللجوء البائسة سيعودون إلى تلك المناطق المحررة ولن يغادر معظم القاطنين في المناطق المحاصرة أو الذين يعيشون مرغمين تحت سيطرة النظام او أولئك في المناطق المحررة، وبذلك فقط ستخف الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا بشكل كبير جداً  ليبقى ربما بعد ذلك مليون أو اثنان في بلاد اللجوء التي يعيشون فيها مستقرين بأعمالهم لا يشكلون عبأ على أحد.

غالباً سيكون للاجئين المتدفقين على أوروبا وشهداؤهم في رحلة الموت الفضل في تحريك أوروبا وستضغط على أوباما لهذه الحلول وأقلها إقامة مناطق آمنة والضغط على النظام عسكريا، فقد سمعت من أكثر من إعلامي وسياسي أوروبي خلال عامين أن موضوع اللاجئين السوريين هو أكثر ما يقلق الأوروبيين وبالتالي يحركهم، وهذا ما سيحصل الآن، فنصف مليون لاجئ سوري من أصل أربعة عشر مليونا دفعوا ثمن الثورة، سيصبحون أخيراً “إنسان” في أوروبا وبنفس الوقت سيدفعون المجتمع الدولي لحل لسوريا ولباقي اللاجئين، وربما سيحتاج هذا العالم ضغط “لجوءٍ” أكثر ليفهم أين يكمن المخرج الحقيقي، لتكون الاستراتيجية التي يجب التركيز عليها سياسياً من قبل المعارضة لحل مشكلة اللاجئين هي التركيز على إقامة مناطق حظر جوي بما ينزع أيضاً هذه الميزة “العسكرية” من النظام ويسهل ويسرع انهياره الجاري حالياً، أو ليتحمل العالم مسؤولياته تجاه اللاجئين.

اللاجئون السوريون لا يفرون من لجوء إلى لجوء في أوروبا إلا بحثاً عن قيمتهم الإنسانية عبر حرية وعدالة وأمان وفرصة لمستقبل لا يقارن بما كانوا يعيشونه ليس فقط في ظل جحيم اللجوء (خارج أوروبا) بل أيضاً في بلادهم قبل ثورتهم، حلم بالحياة يستحق بنظرهم المخاطرة بالحياة، وعلى العالم مساعدتهم بتحقيقه في سوريا لتنتهي مشكلته معهم كلاجئين.

فواز تللو – سياسي سوري معارض

 

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل