النهضة التركية وسوريا .. الدروس والعبر .. د.رفعت عامر

كتب : د.رفعت عامر | صدى الشام | سوريا 24 |

إن التجربة النهضوية التركية، على كل الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تثير لدى الباحثين الكثير من الفضول بسبب عظمة الإنجاز بفترة زمنية قصيرة، والسرعة التي تسير بها.
بلدُ ليس غني بموارده الطبيعية قياسا بغالبية الدول العربية ودول الجوار، تحولت خلال ثلاثة عشر عاماً من دولة تعاني من نسب عالية في التضخم والبطالة والمديونية إلى دولة تحتل المرتبة السادسة عشر في الاقتصاد العالمي، محققة نسب نمو 9% سنويا، وارتفاعا في متوسط الدخل الفردي من 3500 دولار عام 2002، إلى 8716 دولار عام 2014، والناتج الإجمالي من 180 مليار دولار الى 820 مليار. وأصبحت الأولى بين الدول الأوروبية في مجال صناعة النسيج، والثالثة عالمياً في تصنيع أجهزة التلفزيون وتصنيع الحافلات.
ولم تكن هذه المعجزة الاقتصادية مستقلة عن السياسية، فقد أصبحت تركيا لاعبا إقليميا أساسيا ومركز ثقل دولي، ودولة ديمقراطية نالت إعجاب الجميع. والانتخابات البرلمانية الاخيرة، التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية عددا من الأصوات لصالح الأحزاب الاخرى، تؤكد عمق هذه التجربة في بنية الدولة والمجتمع التركي، ودخول قيادة حزب العدالة والتنمية التاريخ من بوابته العريضة.
ما هو سر هذا النجاح وركائزه؟ وما هي الفلسفة والرؤية التي حكمت القيادة التركية؟
أولاً: سر النجاح وركائزه:
1- التوجه نحو التعليم واعتباره مفتاح أي تقدم. فقد وضعت الدولة سياسات تعليمية عصرية تهدف إلى القضاء على الأمية، وبناء مدارس في كل المناطق، وعلى الأخص النائية منها. عممت التعليم وشجعت عليه من خلال رفع رواتب المعلمين وتقديم رواتب رمزية للأمهات وحوافز للطلاب. كما تمت مراجعة كل المناهج التعليمية، وعلى الأخص في التعليم الأساسي، بما يتوافق مع العصر واحتياجات المجتمع التركي. وأصبح التعليم الأساسي مجانياً، ورفعت جودته في المدارس الحكومية وطورت إمكانياتها التكنولوجية واهتمتبالتعليم المهني. وضمنت تكافؤ الفرص للخريجين، كما ركزت على البحث العلمي فأنفقت 500 مليون دولار عام 2010 بعد أن كان 50 مليون لعام 2002، أي أكثر من عشرة أضعاف. ووضعت الدولة سياسة للبحث العلمي انصبت على: أ-إنشاء نظام الابتكار الوطني. ب-دعم مراكز البحث والتطوير. ج-تمكين الباحثين الأتراك من المشاركات البحثية العلمية المشتركة داخل تركيا وخارجها. د-تحقيق التعاون بين الجامعات والمؤسسات الصناعية. ت-وقف هجرة العقول من خلال جملة حوافز مادية ومعنوية. ويؤكد كل الخبراء على أن السياسة التعليمية التي اتبعتها القيادة التركية كانت المسؤولة الأساسية عن تحقيق النهضة التركية.
2-الإنفاق على الصحة، الذي شكل النسبة الثانية الأكبر من ميزانية الدولة. فقد وفرت الدولة العلاج المجاني مع الحفاظ على مستوى نوعي في الخدمة من خلال زيادة أجور الأطباء والطواقم الصحية وتحسين خدمات المشافي.
3- تعزيز الصناعات المحلية في المجالات الإلكترونية والزراعية خاصة. وشجعت الدولة على صناعات المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، وأنشأت لذلك مناطق صناعية مخصصة وحفزت على الاستثمار.
4- أقامت الدولة شراكات مع القطاع الخاص بتطوير المدن وتأمين الخدمات الأساسية، وخاصة في قطاع الطاقة والمواصلات. وقامت بتوسيع شبكات المواصلات وإنشاء الطرق الجديدة.
وكانت تجربة اسطنبول في منتصف التسعينيات،على يد رئيس بلديتها رجب طيب أردوغان، خير دليل ومثال لعمل البلديات الأخرى في كافة المدن التركية، بتأسيسه بنية تحتية وعمرانية مذهلة.
5- التوجه للصادرات وتقديم كل الحوافز الممكنة لتركيز المعامل والمصانع التركية على إنتاج بضائع معدة للتصدير، والذي استدعى اتباع معايير جودة عالمية ساهمت في امتلاك المنتج المحلي التركي ميزات تنافسية جعلته قادرا على المنافسة في الأسواق العالمية. وانعشت التجارة البينية مع دول الجوار، وعلى الأخص مع سوريا.
6- التوظيف والتمدن، وعلى الأخص تنمية مناطق ومدن جنوب شرق الأناضول النائية، مما فتح باباً واسعاً للاستثمار وخلق فرص عمل وزيادة في الدخول.
ثانياً: فلسفة الحكم والرؤية:
لم تنظر القيادة التركية للتغيير المطلوب من باب تحقيق معجزة إلهية تأتي من السماء، بل آمنت بأن هناك سنن وقوانين في الطبيعة والمجتمع تسري على جميع الدول والبشر، بصرف النظر عن انتمائهم ودينهم وطائفتهم ومذهبهم وايدولوجيتهم. فرأت في المعجزة الممكنة صناعة بشرية خالصة، وبهذا كانت تنسجم معالفلسفة الليبرالية الحديثة التي أسست للثورة البرجوازية والدولة الحديثة. مع أن القيادة التركية كانت تمثل التيار الإسلامي شكلاً، ولكنها اختلفت معه في المضمون والأداء، وآمنت بأن للإنسان طاقات خلاقة، وهو الذي يصنع المعجزات لو وظفت هذه الطاقات بشكل صحيح. واستطاع حزب العدالة والتنمية مجاراة المصطلحات المتداولة في الثقافة والتاريخ الإسلامي وتحويلها إلى فعل وممارسة، فجعل من الشورى ديمقراطية، ومن العلمانية استقلالية للدولة عن شؤون الدين، ودعوة للعلم وتحرير فكر الإنسان وعقله، ورفض الأفكار التي تكبله وتلغي حريته وتمنعه من اتباع العقل والمنطق واكتشاف أسرار الحياة والطبيعة وتسخيرهما لمصلحته. وجعل من المواطنة انتماء وعطاء، ومن الاجماع دستورا. لقد اهتموا بالمقاصد بدلا من القوالب والأشكال، والتركيز على المضامين بدلا من الشعارات والعناوين.
لقد استوعبوا أن مشروع التنمية المستدامة يقتضي مشاركة جميع طبقات الشعب، والإنسان في صلبها بوصفه أداتها ومحركها وهدفها.
وبخلاف ضيق الأفق والفلسفة الماضوية الرجعية التي حكمت نظام البعث والقيادة السورية، التي لم يكن هدفها الأساسي أكبر من ترسيخ الحكم الأبدي لعائلة الاسد، فلم تكن مشاريع التنمية لدى النظام السوري إلا شعارات وخطط على الورق، فعمد إلى إبقاء الإنسان السوري ما دون المواطنة حتى يسهل السيطرة عليه والتحكم فيه، فغذى كل أنواع الصراعاتما قبل الوطنية. ولم تكن وظيفة الدولة أكثر من حماية النظام وإدامته، فأهدر المال العام وأشاع الفساد والإفساد، وأدارَ وجهه عن الإنسان السوري ومتطلباته الأساسية على قاعدة "دعه دوماً في حاجة إلى مستلزمات الحياة حتى لا يرتقي إلى مرحلة متقدمة، حسب مثلث الحاجات لدى ماسلو، وبالتالي سيبقي تحت ضغط حاجات ومتطلبات غريزة البقاء والحاجات البيولوجية".
لقد قدمت التجربة التركية دليلا قاطعاً على أن التقدم والتأخر مسالة نسبية، ويمكن تجاوز التأخر بتغيير فلسفة الحكم والتوجه نحو المستقبل وبناء الخطط والاستراتيجيات وحشد الهمم، والبداية من تغيير الواقع المعاشي للسكان وإدماجهم في مشاريع البناء والتنمية والتوجه لهم، واعتبار الإنسان أساس وهدف التنمية، وجهاز الدولة في خدمة المواطنين ليس إلا. وعندها تبقي مسألة التغيير مرتبطة بعوامل فنية وتقنية، ليس الأتراك كأفراد أفضل من السوريين فيها. هم فقط أنتجوا قيادات تاريخية، ونحن ما زلنا نتعثر. ولا بد لنا من البدء بما تستحقه دماء الشهداء من أجل الحرية والكرامة.

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل