يفوق القلق العربي من نجاح المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الاسلامية في إيران، قلق المحافظين مجتمعين في واشنطن وطهران. الأسباب مختلفة، لكن النتيجة واحدة. يرافق هذا كله الخوف من الصدام الواسع، وكأن نجاحها يعني امتلاك إيران السلاح النووي وتوجيهه الى العرب لفرض شروطها عليهم، وتحويلهم الى «نجوم» تدور في الفلك الايراني!.

24 نوفمبر، ليس موعداً مقدساً لا يمكن كسره. سيجد المفاوضون الايرانيون والأميركيون ألف صيغة وصيغة حتى تبقى الكأس نصف ملأى، ولا يضطر أي طرف خصوصاً الإيراني الى شرب «كأس السم». مثل كل المفاوضات المعقدة، أولها في مكان وآخرها في مكان آخر يضم النواة الحقيقية للمشكلة. واشنطن تريد أن تنتهي المفاوضات باتفاق يعيد إيران الى «حاضنتها» الطبيعية في واشنطن. طهران تريد التعاون الذي يمنحها سلطة القرار في هذا الشرق المعقد.

هذا الطموح الايراني، ليس جديداً، انه تاريخي. منذ قورش العظيم، تسعى الامبراطورية الفارسية ولاحقاً الشاهشاهية فالجمهورية الاسلامية الامساك بالشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، وتحول ما يعرف بالجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفياتي السابق، الى سوق ضخم يمنحها القوة والى جسر عظيم تعبره الى العالم وتتنافس عبره روسيا حتى لو كانت حليفتها الحالية.

لا يمكن لإيران اللعب الى درجة التلاعب بأذربيجان وطاجكستان مثلاً. الرئيس حسن روحاني وجد بالثقافة المشتركة والاتفاقات الاقتصادية كل ما يطمح إليه لتوسيع نفوذ إيران.

أما في الشرق الأوسط، فإن طهران وجدت في القضية الفلسطينية كل ما قام عليه الخطاب الخميني لتكون حاضرة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. حزب الله والمقاومة ضد إسرائيل أمّنا لها هذا الحضور مع ترحيب كامل بها ما دام هدفها التحالف للتحرير. لكن يبدو أن النجاح من جهة وضعف أهل الشرق العربي، رفعا منسوب «الشراهة» الايرانية. أصبح السؤال الايراني الكبير لما لا يكون لنا في الشرق ما نستحقه؟

المشكلة العربية الآن مع إيران، ليست القوة النووية ولا حتى السلاح النووي. هذا السلاح لا يخيف لأن استخدامه يجعله سلاحاً للانتحار، عبر التدمير الذاتي. إيران تملك من القوة العسكرية التقليدية، ما يجعلها متمكنة فقط، في الحالة الاسرائيلية يجب طرح الأسئلة حول وزن القوى التقليدية في أي مواجهة. مشكلة العرب والشرق كله هي في السلاح النووي الاسرائيلي، الذي كادت إسرائيل تستخدمه عام 1973، وهي ربما تستخدمه في قنابل تقليدية مشبعة بالأورانيوم، وحتى في الاغتيالات كما حدث ضد الشهيد ياسر عرفات.

الخوف من إيران النووية، افتعال، ينتج تغييب خطر قائم في السلاح النووي الإسرائيلي، وتضخيم خطر محتمل وحتى بعيد الاحتمال.

يبقى وهو الأهم من حق العرب وواجبهم أن يقلقوا ويخشوا ويحسبوا ألف حساب للجنرال قاسم سليماني. هذا الجنرال هو الخطر القائم في الشرق وضد العرب، لأنه يخوض حروباً، في سوريا ولبنان والعراق واليمن والسودان وربما في أماكن أخرى خفية. تحديد الخصم بالجنرال سليماني، هو اختصار لعنوان الصدام.

سليماني، يبقى عسكرياً مهما علَت رتبته في خدمة القرار السياسي الذي يتخذه المرشد علي خامنئي. المشكلة إذاً في «المشروع الخامنئي» الذي يحارب عبر الجنرال سليماني في سوريا لإبقاء الأسد واعتبار سوريا المربع الأخير وحتى احدى محافظات إيران. القتال من أجل الأسد وصل الى حدِّ استقدام الأفغان الشيعة بكل ما يعني ذلك التهديد في حال الانتصار تنفيذ تغيير ديمغرافي يجعل من الحروب المواجهة المذهبية السورية مسلسلاً لا ينتهي.

المشكلة في العراق حيث شَكّل سقوط المالكي «ضربة قوية» للمشروع الخامنئي إذ على طهران التعامل والتقاسم مع الأميركيين، والمشكلة الكبرى والأخطر في اليمن، حيث تهدد طهران الخليج كله، بالمقاتلين الحوثيين الذين ليس لديهم ما يخسرونه سوى الفقر.

بدلاً من إضاعة الوقت والجهود في مواجهة لا تفيد العرب، وفقط الولايات المتحدة الأميركية وعدوّهم إسرائيل، يجب التركيز على مواجهة الجنرال سليماني وضمناً المشروع الخامنئي. سلاحهم في ذلك الوحدة وبناء المجتمعات المدنية والتركيز على أنه لا يمكن لأحد أن يلغي أحدًا.

المصدر