علي حسين باكير
علي حسين باكير

التضخم الكردي في ‫‏تركيا .. علي حسين باكير

كتب : علي حسين باكير |

خلال السنوات القليلة الماضية، حصل الأكراد في تركيا على حقوق لم يسبق لهم ان تمتعوا بها منذ تأسيس الجمهورية التركية، لقد أتى ذلك تتويجا لمسار رسمه حزب العدالة والتنمية مقررا فيه الارتقاء بالمستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي التركي ضمن رؤية مستقبلية طموحة لم يسبق لحزب تركي أيضاً أن وضع شيئا شبيها لها فضلا عن أن يقوم بالالتزام بها أو تنفيذها.

وبالفعل، حقق الأكراد خلال هذا المسار وبسببه وفي فترة قياسيّة مكتسبات لم يكن أحد يتخيّل ان يحصلوا عليها بما فيه هم أنفسهم، وقد كان هذا الامر دوما مثار جدل في اوساط الباحثين والمتخصصين كما هو عليه الحال بين اوساط العامة حيث كانت فكرة حزب العدالة انّ اعطاء القوميات المزيد من الحقوق ضمن إطار المواطنة وبما يتساوى مع غيرهم من المواطنين يجعل تركيا أقوى ويساعد على إندماجهم وعلى حل المشكلات العائدة الى ترسبات تاريخية لم يكن لأبناء اليوم دور فيها، بينما كان المعارضون يجادلون انّ الذهاب في مثل هذا الاتجاه سيؤدي الى تقوية شوكة هذه القوميات بحيث تشعر بحاجتها الدائمة الى الانفصال بدلا من الاندماج وبقدرتها على الصراع بدلا من التعايش.

خلال سنة واحدة فقط، أصبح لدى الأكراد فرصة للتنافس على أعلى منصب رسمي في البلاد، وقد دخلوا السباق الى جانب مرشّحين آخرين فقط، كما أصبح لديهم رابع أكبر حزب في تركيا وتحت قبّة البرلمان لاوّل مرّة في تاريخ الجمهورية التركيّة الحديث. ناهيك عن سلسلة المكتسبات التي حصلوا عليها في عام 2013 إثر إقرار رزمة الاصلاحات التي أقرتها الحكومة التركية برئاسة رجب طيب أردوغان آنذاك في ايلول 2013 في سياق مسيرة ديمقراطية تمتد على مدى 11 عامًا، وشملت مجالات متعددة منها ما يتعلق بالحياة السياسية والحزبية والانتخابات، ومنها ما يتعلق بالحريات العامة والحقوق خاصة ما يرتبط بالأقليات طُرحت للمرة الأولى منذ إنشاء دولة تركيا الحديثة.

فجأة، إنقلب المسار رأسا على عقب بعد الانتخابات البرلمانية الاخيرة، لماذا؟ لان حالة من التضخم أصبات جزءً من المكّون الكردي على ما يبدو، الأمر الذي أوقعه في حسابات خاطئة تماما. لقد فوّت حزب الشعوب الديمقراطية والقيمون عليه فرصة مثالية لكتابة التاريخ وصناعة المستقبل، وبدلا من الاستفادة من المكتسبات لتعزيز التأكيد على حقوق المواطنة وواجباتها، وبدلا من أن يثبتوا لكل مشكك أنّهم اهل للمسؤولية وأنّهم يريدون أن يلعبوا وفق قواعد اللعبة الديمقراطية، قرروا الاطاحة بكل المكتسبات الديمقراطية وان يعودوا الى اللعبة القديمة والى الخنادق الحزبيّة والقومية الضيقة.

لقد انتهى الامر بزعيم الحزب صلاح الدين ديميرتاش الذي سبق له وان كان احد المرشحين الرئاسيين بان يطالب بحمل السلاح وتشكيل ميليشيات عسكرية تشبه الى حد كبير ظاهرة مألوفة لدينا اسمها ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية المنتشرة في العالم العربي حيث النفوذ الايراني، وان يتهم الدولة بدعم "داعش" في وقت لا يتورّع فيه هو وانصاره وحزبه عن دعم تنظيمات لا تقل اجراما عن "داعش" كتنظيم (PYD) وميليشيات وحدات حماية الشعب ودعم اجندتها التقسيميّة والانفصالية.

لم يتأخر حزب العمال الكردستاني عن الاستجابة للنداء، فقرر انهاء الهدنة وقتل عملية السلام بتبنيه عمليات ارهابية بشكل رسمي وعلنا. اليوم يعود الصراع المسلّح الذي اودى بحياة عشرات الآلاف خلال العقود الماضية الى الساحة من جديد في تركيا، الخاسر الأكبر فيه هي البيئة الكردية التي تعجز عن افراز من يمكنه ان يوصل سفينتهم الهوجاء الى بر الأمان.

لقد وجّه الأكراد ضربة قاسية لأنفسهم، وسيعانون سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيّا، كما ان الاستقطاب الحاصل اليوم نتيجة خطابهم وتصرفتاهم وحملهم للسلاح سيزيد من عزلتهم، ولو حصلت انتخابات نيابية مبكرة في مثل هذه الظروف فعلى الأرجح لن يستطيع حزب الشعوب الديمقراطية الحصول على النسبة السابقة ولا حتى التأهل للبرلمان، لان شريحة واسعة ممن انتخبوه صوتوا له استجابة للتغير الذي حصل إثر اطلاق عملية السلام، أمّا وقد انهارت ولم يستفيدوا شيئا لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الأمن، فسنعود ايضا الى المعطيات القديمة سريعا.

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل