سوريا أسوأ كوابيس باراك أوباما على الأطلاق
سوريا أسوأ كوابيس باراك أوباما على الأطلاق

التراجع الأمريكي في إدارة العالم .

كتب : ماهر علوش | سوريا 24 |

«لا أريد أن نصبح بمثابة قوة جوية موضوعة في تصرف العراق، ولا قوة جوية للأكراد…»، «إذا كان العرب يعتقدون أن التوسع الإيراني يهدد أمنهم القومي، وإذا كانوا يعرفون أن الوضع السوري الراهن بممارسات الأسد الذي يعرف الجميع سيطرة إيران الكاملة عليه يمثل جزءًا رئيسيًّا من هذا التهديد، فماذا ينتظرون؟».

هذا ما قاله الرئيس “أوباما” في حديثه مع “توماس فريدمان”، ليكشف الغطاء عن حقبة جديدة أرادت الولايات المتحدة الأمريكية كتابتها في التاريخ الحديث بطريقة مختلفة. إن العالم اليوم يُدار بأضعفَ مما كان يُدار بالأمس، وهو أمر يجب على شعوبنا والحكومات العربية والإسلامية أن تدركه، فإن التردد الذي تعانيه إدارة “أوباما” بدأت تظهر علاماته منذ السنة الأولى لولايته، لدرجة أن الإسرائيليين أعربوا عن استيائهم من تردد إدارته.

ففي /15/يناير/2012/ أعرب النائب الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي “موشيه يعالون” عن خيبة أمله من «الترددات التي تبديها الإدارة الأمريكية إزاء فكرة تشديد العقوبات التي تستهدف البنك المركزي والصناعات النفطية في إيران»، وقال الوزير “يعالون”: إن «الكونغرس الأمريكي قد أبدى حزمه على مكافحة المشروع النووي الإيراني، وأيد بالإجماع تشديد العقوبات المفروضة على طهران»، غير أن البيت الأبيض بقي يتردد خشية ارتفاع أسعار النفط. بل في بدايات عام /2009/ وبعد انقضاء العام الأول من ولاية “أوباما” ظهر تردد الإدارة الأمريكية إزاء القضية الفلسطينية، وتضاربت التصريحات حول شرعية الاستيطان، في حين أن “أوباما” ووزيرة خارجيته “هيلاري كلينتون” أكدا على عدم شرعية الاستيطان، إلا أن واقعًا آخرَ كانت تظهر فيه الإدارة الأمريكية وكأنها مع عدم وقف الاستيطان، وكان الانتصار دائمًا حليفَ “نتنياهو”، الذي بدا وكأنه قادر على فرض رؤيته وإرادته، بل وتجاوز إدارة الرئيس “أوباما”، ما مهد لاحقًا لعلاقة شخصية غير ودية بينه وبين الرئيس “أوباما”، تجلت بوضوح في المراحل الأخيرة لإبرام الاتفاق النووي الإيراني؛ حيث تدهورت العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية إلى أخفض مستوياتها التاريخية.!! .

الجنرال الإيراني قاسم سليماني .. هل هي بداية النهاية ؟ , شبكة سوريا 24

ومع بدايات الثورة السورية ظهرت آثار التردد في الموقف الأمريكي من جديد؛ حيث اضطربت تصريحات الإدارة الأمريكية بشأن شرعية نظام الأسد، بل ومصير الأسد نفسه، ففي /18/أغسطس/2011/ قال “أوباما”: «يجب على الأسد التنحي عن السلطة»، وقبله بيومين فقط في /16/أغسطس/2011/ استبعدت “هيلاري كلينتون” «أن تطلب الولايات المتحدة من الأسد التنحي في المستقبل القريب»!

وفي /19/يونيو/2012/ اجتمع “أوباما” و”بوتين” على هامش قمة العشرين في المكسيك، وكان اللافت في اللقاء تراجع “أوباما” عن تصريحاته السابقة «بضرورة تنحي الأسد عن السلطة»، لصالح توجهات “بوتين” في «إيجاد حل سياسي»، وقد أشارت لذلك التراجع صحيفة “واشنطن بوست” في ذلك الحين؛ حيث ذكرت أن الرئيسين قد اتفقا على «محاولة وقف العنف في سوريا، ومحاولة العمل على الحلول السياسية، وذلك من أجل اتقاء شبح الحرب الأهلية»، قالت الصحيفة وذلك «في خروج عن تصريحات سابقة دعا “أوباما” إلى العملية السياسية، التي من شأنها وضع حد للعنف المروع في سوريا، لكنه لم يقل إن الأسد يجب أن يذهب».

وأشارت الصحيفة إلى أن “أوباما” كان في المرات السابقة هو وعدد من مسؤولي إدارته «يبدون إصرارًا على أن الأسد يجب أن يتنحى»! لقد كانت معظم التصريحات الأمريكية في بدايات الثورة تدور في فلك «إيجاد حل سياسي»، وهذا طبيعي جدًّا في مثل تلك المرحلة، إلا أنه بعد استخدام العنف من قبل النظام بدأ يتخلل ذلك تصريحات متضاربة، ما بين «الأسد فقد شرعيته»، وبين «على الأسد التنحي عن السلطة»، وبين مطالبته «بالإصلاح»! ما أعطى مؤشرًا على وجود سلسلة من التناقضات والاضطرابات في الخطاب السياسي الأمريكي على مستوى صانع القرار، الأمر الذي جعل الشعب السوري يستغرب من تصريحات الرئيس “أوباما” آنذاك، ويتردد في حمل كلامه على محمل الجد؛ حيث باتت «شرعية نظام الأسد» وَ«ضرورة تنحيه عن السلطة» ألعوبة بيد الإدارة الأمريكية.

ثروة ‫بشار الأسد وصلت إلى 1,5 مليار دولار أمريكي , شبكة سوريا 24

وكانت إحدى أبرز محطات الاضطراب والتردد الأمريكي على مستوى صانع القرار في /20/أغسطس/2012/ حيث ظهر الرئيس “أوباما” في مؤتمر صحفي غير متوقع إثر قصف الغوطة بالسلاح الكيماوي، وحَذَّر من أن «أي نقل أو استخدام للأسلحة الكيميائية في سوريا يشكل خطًّا أحمر بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وقد تكون له عواقب هائلة»، وقال: «حتى الآن لم أعطِ أمرًا بالتدخل العسكري» في سوريا، ثم أضاف قائلًا «لكن إذا بدأنا نرى نقلًا أو استخدامًا لكميات من المواد الكيميائية فذلك سيغير حساباتي ومعادلتي»، وأكد الرئيس الأمريكي مراده قائلًا: «إننا نراقب الوضع عن كثب، ووضعنا عدة خطط، كما أبلغنا بوضوح وحزم جميع القوى في المنطقة أن المسألة خط أحمر بالنسبة إلينا، وستكون لها عواقب هائلة».

وبعد كل هذه التصريحات النارية عاد النظام لاستخدام السلاح الكيماوي مجددًا، في تحدٍّ صارخ لإدارة الرئيس “أوباما”، ولم نر أي أثر لهذا الخط الأحمر الذي توعد به الرئيس الأمريكي نظام الطاغية، بل على العكس تمامًا فقد قال وزير خارجيته “جون كيري” -فيما قيل إنه زلة لسان حينها-: «إن بلاده لن تسدد ضربتها العسكرية المنتظرة إلى النظام الأسدي إن هو وافق على تسليم سلاحه الكيماوي». وجاء تصريح “كيري” هذا عقب انتشار أنباء عن ضربة عسكرية أمريكية وشيكة لنظام الأسد؛ حيث انتشر في الصحف الأمريكية عن مسؤولين كبار في إدارة “أوباما” «أن هذا التحرك يرجح ألا يستغرق أكثر من يومين، وسيتضمن إطلاق صواريخ كروز من بوارج أمريكية منتشرة في البحر المتوسط على أهداف عسكرية سورية»، بل أرسل البيت الأبيض في /1/مايو/2013/ يطلب تفويضًا من الكونغرس لتوجيه ضربة لسوريا، وأعلن “هاري ريد” زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ «أن التصويت سيكون في موعد لا يتجاوز الأسبوع من تاريخ /9/أغسطس»، في حين صوت البرلمان البريطاني حينها ضد الضربة بأغلبية قليلة، ومع ذلك تابع الأمريكيون في الأمر، معتمدين على عزم الفرنسيين في المشاركة في توجيه الضربة المرتقبة، وربط الفرنسيون مشاركتهم فيها بقرار منح الكونغرس تفويضًا بالتدخل لـِ”أوباما”، وكان التدخل الأمريكي الفرنسي وشيكًا، حتى كدنا نصدق أن الضربة خلال أيام، وما لبثت أن تراجعت إدارة “أوباما” عن «الضربة الوشيكة» مقابل تسليم السلاح الكيماوي، وصدقت ما قيل إنها «زلة لسان» من الوزير “جون كيري”.

وقد يعد هذا التراجع من أسوأ تراجعات الإدارة الأمريكية؛ لأنه أساء لحليفتها فرنسا، وأوقع الرئيس “هولاند” -وهو المتحمس للتدخل- في حرج أمام الشعب والبرلمان الفرنسي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأت مع هذا كله حملة أمريكية للتهرب من الخط الأحمر الذي رسمه “أوباما”، فبعد أن صرح “جون ماكين” وَ”كارل ليفين” باستخدام النظام للسلاح الكيماوي وتجاوزه للخط الأحمر، وطالبا بالتدخل كما وعد “أوباما”، وبعد أن صرح “تشاك هيغل” وزير الدفاع الأمريكي من أبو ظبي «أن المخابرات الأمريكية تعتقد أن نظام الأسد استخدم غاز السارين على نطاق محدود ضد مقاتلي المعارضة الذين يسعون للإطاحة بنظام الأسد».

بعد هذا كله بدأت حملة التهرب من الالتزام الأمريكي بتوجيه الضربة تحت عدة ذرائع، إما بأننا «غير متأكدين بعد من استخدام الكيماوي»، وإما أن الكيماوي تم استخدامه على «نطاق غير واسع»، وإما أننا «لا نعرف من استخدم الكيماوي بدقة»، هل هو النظام أم المعارضة؟ وذلك كله في حملة من التصريحات العشوائية التي تدل على اضطراب في الموقف الأمريكي من القضية برمتها، وانتهى الأمر بتسليم الأسد السلاح الكيماوي، والعزوف عن الضربة التي باتت غير «وشيكة» أبدًا.

هذه بعض صور التردد الحاصل في الإدارة الأمريكية إزاء أهم القضايا التي تَعْصِفُ بمنطقتنا العربية، ناهيك عما تعانيه هذه الإدارة من حالة الانقسام الواضح تجاه قضايا كبرى، لا نخطئ إذا قلنا: إنها تمس الأمن القومي الأمريكي، فليس الانقسام في عهد “أوباما” على الطريقة التقليدية الأمريكية، جمهوري ديمقراطي فحسب، بل تخطى ذلك ليتحول إلى البيت الواحد؛ إذ صار واضحًا للمهتمين بالشأن الأمريكي أن انقسامًا في الرؤية بات يَعْصِفُ بالحزب الديمقراطي على جهة الخصوص، وقد ظهر هذا في أكثر من ملف أهمها على الإطلاق الملف السوري والملف النووي الإيراني، كما سيأتي.

كتب الصحفي الأمريكي “توماس فريدمان” عن لقائه مع الرئيس “أوباما”: اعتبر الرئيس في نهاية المطاف أن «التهديد الأكبر لأميركا -القوة الوحيدة التي تستطيع فعلًا إضعافنا- هو نحن. إن بلادنا تشهد الآن تطورات كثيرة، من موارد الطاقة الجديدة، مرورًا بالابتكار، وصولًا إلى الاقتصاد الآخذ في النمو». لكنه أردف قائلًا: «إننا لن نحقق أبدًا كامل طاقاتنا إلا إذا اعتمد الحزبان الأمريكيان النظرة الاستشرافية نفسها التي نطلبها من الشيعة والسنة والأكراد، أو من الإسرائيليين والفلسطينيين، لا غالب ولا مغلوب، والعمل معًا». ثم أضاف «تعاني سياستنا من خلل وظيفي»، وإنه «علينا أن نرى في الانقسامات المروعة في الشرق الأوسط تحذيرًا لنا، فالمجتمعات لا تعمل كما يجب إذا اتخذت الفصائل السياسية مواقف متطرفة، وكلما كان البلد أكثر تنوعًا، يصبح أقل قدرة على اتخاذ مواقف متطرفة».

هذا تصريح واضح من “أوباما” يحث فيه الحزبين “الجمهوري” وَ”الديمقراطي” على العمل بطريقة تكاملية، وترك المناكفات السياسية التي من شأنها أن تؤدي إلى انقسام المجتمع الأمريكي نفسه، وذلك في دلالة -غير مسبوقة- على مدى الانقسام الذي بات يَعْصِفُ بالسياسة الأمريكية الداخلية والخارجية. وبالعودة إلى أثر انقسام الرؤية الذي حَذَّرَ منه “أوباما” نلاحظ كيف طالب أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ الأمريكي من الجمهوريين والديمقراطيين في /21/أبريل/2015/ «بفرض مناطق إنسانية آمنة في سوريا»، كان ذلك في الرسالة التي وجهها العضوان الجمهوريان “جون ماكين” وَ”ليندسي غراهام”، والعضوان الديمقراطيان “ريتشارد ديربن” وَ”تيم كين” إلى الرئيس “باراك أوباما”، وفيها «إن الشعب السوري يواجه كابوسًا إنسانيًّا بأبعاد لا توصف»، في رسالة تُعَدُّ اعتراضًا واضحًا على سياسات الرئيس “أوباما” التي تأخرت جدًّا في فرض مناطق آمنة في سوريا للتخفيف من معاناة السوريين.

هذا على صعيد الملف السوري المباشر، أما على صعيد الملف النووي مع إيران فلم يعد خافيًا على أحد الصراع القائم بين إدارة الرئيس “أوباما” والكونغرس حول الاتفاق النووي، لدرجة أنه وفي سابقة من نوعها في أمريكا خاطب أعضاء من الكونغرس دولة أخرى بشكل علني ومباشر، ففي /10/مارس/2015/ قام /47/ عضوًا من الكونغرس الأمريكي بينهم ثلاثة هم من أبرز المرشحين الجمهوريين للرئاسة في أمريكا، قاموا بإرسال رسالة تحذير إلى إيران تفيد بأن أي اتفاق نووي تعقده مع الرئيس “باراك أوباما” لن يستمر بعد أن يترك الحكم، وذلك في تدخل مباشر غير معهود للكونغرس في السياسة الخارجية الأمريكية.

ومما جاء في الرسالة «أن الكونغرس يلعب دورًا في التصديق على الاتفاقات الدولية»، وأن «أوباما سيترك الحكم في /يناير/2017/ بينما سيستمر كثيرون في الكونغرس لفترة أطول من ذلك»، وقالوا «سنعتبر أي اتفاق يتصل ببرنامجكم للأسلحة النووية لا يقره الكونغرس ليس سوى اتفاق تنفيذي بين الرئيس أوباما وآية الله خامنئي»، وأضاف الأعضاء «يستطيع الرئيس القادم إلغاء هذا الاتفاق التنفيذي بجرة قلم، وبوسع الكونغرس مستقبلًا تعديل بنود أي اتفاق في أي وقت». إلى جانب هذا فقد شهدت الإدارة الأمريكية نوعًا من التراجع التاريخي أمام دولة صغيرة مثل كوبا، تمامًا كما يحدث الآن مع إيران؛ فإنه وبعد انقطاع بين البلدين دام أكثر من /50/ عامًا التقى الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” نظيرَه الكوبي “راؤول كاسترو”، في لقاء يصفه “أوباما” بأن محادثاته كانت «تاريخية»، كما وصف “كاسترو” اللقاء الذي جمع بينهما بأنه «صريح ومثمر».

وردًّا على الانتقادات الموجهة للسياسة الأمريكية القديمة نحو أمريكا اللاتينية قال “أوباما” -فيما يظهر أنه تراجع كبير في الخطاب السياسي الأمريكي-: «إن سجل واشنطن كان بعيدًا عن الكمال، لكن هذا قد تغير وإنه سيواصل الضغط من أجل المزيد من الديمقراطية»، وقال أيضًا في تصريح آخر لا يقل عنه تراجعًا: «إن السياسية المتزمتة والتي عفا عليها الزمن لعزل كوبا قد فشلت بشكل واضح»، مؤكدًا أن «الوقت قد حان لتبني نهج جديد».

ويُذكر أن العشرات من المعارضين الكوبيين الذين يعيشون في المنفى في ولاية فلوريدا الأمريكية عارضوا هذه الخطوة بشدة؛ حيث قال “كارلوس مونوز فرونتانيل” في مسيرة احتجاجية في ميامي: «هذه خيانة، هذه المحادثات ستعود بالنفع على كوبا فقط». وقد وصف عدة أعضاء في الحزب الجمهوري الأمريكي هذه الخطوة بأنها تمثل «تراجعًا» من جانب الولايات المتحدة أمام كوبا، كما انتقد عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري “ماركو روبيو” الاتفاق ووصفه بأنه «غير مبرر»، مضيفًا أنه «لم يفعل شيئًا لمعالجة المشاكل المتعلقة بالنظام السياسي في كوبا وسجل حقوق الإنسان».

وفيما يبدو تعبيرًا عن نشوة النصر قال الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” -وهو خلف الرئيس “هوغو تشافيز”، الصديق الحميم لــِ”فيدل كاسترو”، وأكثر حكام أمريكا الجنوبية عداءً لأمريكا-: إن هذه الخطوة تمثل «انتصارًا أخلاقيًّا» وَ«انتصارًا لفيدل». ومن الجدير بالذكر أن الكونغرس الأمريكي هو وحده من يملك صلاحيات رفع الحظر المفروض على كوبا، وذلك في سياق مشابه تمامًا لسياق الاتفاق النووي مع إيران…

إيران و العالم العربي

إننا وبشيء من التأمل نلاحظ سياسة الانكفاء على الداخل التي اتبعتها إدارة الرئيس “أوباما”، ومحاولة إنهاء المشاكل مع الدول التي توصف بأنها ذات عداء تاريخي مع الولايات المتحدة، والابتعاد عن القضايا الخارجية لاسيما التدخلات العسكرية، التي كانت سمة الإدارات المتعاقبة قبله، وهذا كان واضحًا في حملته الانتخابية الأولى عام /2008/؛ حيث رفع شعار «change we can believe in» «التغيير الذي يمكن أن نؤمن به»، وبدأ الترويج إلى أنه سيخفف عن الأمريكيين أعباء وتكاليف الحروب، وسيغير طريقة سلفه “جورج بوش” الابن التي نتج عنها زج أمريكا بمستنقعات لا شأن لها فيها، وكانت نتيجتها إخفاقات اقتصادية هائلة، ثم صار عنوان حملته الانتخابية الثانية «forward» «إلى الأمام»، مؤكدًا أنه سيتابع مسيرته ضمن تلك الرؤية إلى الأمام، ولن يرجع إلى الوراء أبدًا، وذلك في إشارة إلى سياسات الجمهوريين…

وبالرجوع إلى إنجازات “أوباما” التي حققها في فترة ولايته الأولى نجد أن أغلبها يتصل بالأوضاع الداخلية، وكان أبرزها ستة إنجازات:

1- إصلاح النظام المالي في وول ستريت.

2- إصلاح نظام الرعاية الطبية.

3- كبح جماح عمالقة بطاقات الائتمان.

4- التحول إلى الطاقة المتجددة.

5- إنهاء الحرب في العراق.

6- إنهاء الحظر المفروض على دخول المثليين للجيش الأمريكي.

كل هذا يدل على مدى تمسك “أوباما” برؤيته لأمريكا الجديدة، القائمة على التحرر التام من سياسات “بوش”، وإنهاء الحروب التي بدأها، والتي قدمت صورة عدوانية توسعية عن أمريكا للآخرين… في مقابل ذلك إعطاء المزيد من الفرص للدبلوماسية الأمريكية -كما يحدث مع إيران- والإصرار على عدم الدخول في أي حرب جديدة، مهما كانت دوافعها الإنسانية والسياسية!!…

لقد أصر “أوباما” على تقديم صورة معاكسة تمامًا للصورة التي قدمها “بوش” -لاسيما في إطار الحرب-، مع أن الظروف كانت تدفعه دفعًا للتدخل في العديد من الملفات، على رأسها سوريا وأوكرانيا وجورجيا، إلا أنه بقي ملتزمًا الخط الأحمر الذي يبدو أنه وضعه لنفسه، وهو عدم الانخراط في أي حرب جديدة مهما كان السبب…

إن إرث “أوباما” السياسي الذي سيصنع له مجده وتاريخه الخاص يكمن في انتزاع الاتفاق النووي مع إيران، وفي إمضاء مشروع الضمان الصحي، والذي بدوره يؤكد اهتمام “أوباما” بالملفات الداخلية، وكذلك إسراعه بتنفيذ وعوده بسحب قوات بلاده من أفغانستان… هذا كله يدل على مدى التراجع في الأداء الأمريكي على مستوى العالم؛ حيث كانت أمريكا تَعُدُّ نفسها رُبَّان العالم، والقائم بمهام حفظ الأمن فيه، والحفاظ على نُظُم الديمقراطية فيه…

لقد أثمر التراجع الأمريكي في إدارة العالم ظهور تغيرات جديدة في عدة مناطق في العالم، من ذلك تمدد روسيا لاستعادة أمجادها، ودفاعها الشرس عن حقوقها وإرثها القديم، وقد بدا ذلك في عمق الصدام الروسي للمشاريع التي تهدد أمنه، ففي /8/أغسطس/2008/ شنت روسيا حربها على جورجيا، والتي كادت تؤثر على علاقات روسيا بالاتحاد الأوروبي، بينما اكتفت الولايات المتحدة على لسان البيت الأبيض بتحذير روسيا من أن «تصعيدها غير المتكافئ والخطير للنزاع في أوسيتيا الجنوبية، سينعكس بشكل كبير على علاقة روسيا والولايات المتحدة».

في حين هددت وزيرة الخارجية الأمريكية حينها “كوندوليزا رايس” روسيا بأنها «ستواجه المزيد من العزلة الدولية إذا ما انتهكت وقف إطلاق النار بينها وبين جورجيا». وكان غاية ما قدمته أمريكا لجورجيا بحسب إعلان وزارة الدفاع الأمريكية «أنها أكملت عملية النقل الجوي لألفي جندي جورجي من العراق إلى بلادهم»، وأضافت بحسب المصدر نفسه «أنها لا تقدم حاليًا أي مساعدات عسكرية أخرى للقوات الجورجية».

فيما ارتفعت وتيرة التصريحات بين البلدين بعد إعلان وقف إطلاق النار؛ حيث حذر البيت الأبيض موسكو من «أي وجود روسي دائم في مرفأ بوتي على البحر الأسود»، مؤكدًا أن ذلك «سيكون خرقًا لوقف إطلاق النار». وفي تحدٍّ صارخ بتاريخ /26/أغسطس/2008/ اعترفت روسيا رسميًّا باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، على الرغم من معارضة المجتمع الدولي لذلك، بينما قبل يوم واحد كان الرئيس الأمريكي “جورج بوش” يطالب روسيا «باحترام وحدة أراضي جورجيا، وعدم الاعتراف بالإقليمين الانفصاليين -أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا- كدولتين مستقلتين».

هذا على صعيد الأزمة الجورجية، أما على صعيد الأزمة الأوكرانية فما زال التدخل الروسي في شبه جزيرة القَرْم، وما زال الدعم شبه المعلن للانفصاليين الأوكرانيين في شرق البلاد، بينما “أوباما” يكتفي بالتأكيد على أن «ما تقوم به روسيا يشكل انتهاكًا للقانون الدولي»، وأنه يعلم «أن الرئيس بوتين لديه على ما يبدو تفسير مختلف، لكنه لا يخدع أحدًا”. أما الوزير “كيري” فقد أكد «التزام» الولايات المتحدة بـ«سيادة ووحدة أراضي أوكرانيا»، وأضاف «ندين العمل العدواني لروسيا الاتحادية»، ثم تابع أن «الرئيس أوباما وأنا نريد أن يكون واضحًا بالنسبة لروسيا ولكل أحد في العالم أننا لا نسعى إلى المواجهة».

وذلك في تصريحات باردة تختلف كليًّا عن تلك التصريحات التي كانت تصدر في ظروف مماثلة أيام الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي. كما أكد “كيري” أنه في حال عدم استجابة روسيا لوقف التصعيد فسوف تتخذ أمريكا وحلفاؤها إجراءات «لعزل روسيا على الأصعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية».

وبالفعل فَرضت أوروبا على إثر ذلك عقوبات اقتصادية على روسيا، لكنها ما لبثت أن تراجعت عنها خشية العبث الروسي بملف الطاقة في أوروبا، إضافةً إلى عدم قدرة أوروبا على الاستمرار بمثل هذه العقوبات؛ لأنها ستكون حينئذ كالذي يعاقب نفسه، وذلك بالنظر إلى الاقتصاد الأوروبي المتهالك الذي يتراجع يومًا بعد يوم. كما أثَّر في تراجع أوروبا عن العقوبات تَرَدُّدُ الحليف الأمريكي وتراجع موقفه من الأزمة الأوكرانية، فبينما كان “أوباما” يتعرض لانتقادات حادة من بعض النواب في واشنطن -وذلك لضعف موقفه من تطورات الأحداث في أوكرانيا-، كان الكونغرس الأمريكي يرفض تزويد الجيش الأوكراني بالسلاح، ويمنع تقديم مساعدات اقتصادية… وذلك في اضطراب واضح في أروقة الإدارة الأمريكية…

وردًّا على الانتقادات الموجهة إليه حينها قال “أوباما”: «إنه من المهم أن يكون الكونغرس متضامنًا» مع السلطة التنفيذية. بل ذهب “أوباما” أبعد من هذا بكثير… لقد كان واضحًا جدًّا في لقائه مع “فريدمان”، حيث أشار بكل برود إلى أن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” «قد يجتاح» أوكرانيا في أي وقت رغم العقوبات الغربية على روسيا، وأنه في حال فعل ذلك «فإن محاولة استعادة علاقات تعاون ناجحة مع روسيا خلال ما تبقى من ولايتي ستكون أصعب بكثير».

يأتي مثل هذا التصريح ضمن دلالة واضحة على عدم اكتراث أمريكا بتداعيات الأزمة الأوكرانية على أوروبا والغرب عمومًا، وهذا جزء من سياسات “أوباما” اللامبالية فيما يجري حول العالم. لقد استغلت روسيا تراجع الدور الأمريكي في إدارة العالم لفرض واقع جديد في شرق أوروبا وحوض بحر البلطيق، والذي تعتبره روسيا امتدادًا طبيعيًّا لها، وحزام أمان بينها وبين أوروبا، ومن هنا قامت روسيا بعدة إجراءات، منها ضمها لشبه جزيرة القرم، وقد سبق الحديث عن تدخلها في جورجيا وشرق أوكرانيا…

وأما سوريا فذاك ملف آخر، فقد رفعت روسيا والصين جنبًا إلى جنب -وهذا يدل على نوع من تطابق الرؤية بينهما- الفيتو في مجلس الأمن ثلاث مرات في وجه قرارات تتصل بحسم -أو شبه حسم- الملف السوري لصالح الثورة.

أما إيران فقد بدأت تتمدد على حساب التراجع الأمريكي في إدارة الإقليم، وظهر هذا جليًّا في تغولها في العراق وسوريا واليمن والبحرين ولبنان، وتوسيع عمل أذرعتها العسكرية في المنطقة، وذلك بتمديد حزب الله اللبناني إلى العمل بشكل صارخ وفاضح في سوريا، وبشكل غير معلن في أماكن أخرى، وكذلك تمديد الميليشيات الطائفية العراقية أيضًا للعمل في سوريا، وتسهيل إمداد النظام بالمرتزقة من الشيعة الأفغان، وتوريدهم للعمل إلى جنب النظام…

وكذلك ما نشهده من تدخلات غير معلنة في الشأن الكويتي، كان آخرها قضية الخلية الإرهابية والأسلحة التي ضُبطت بحوزتها بكميات كبيرة… إن المتابع لهذا الملف يدرك أن كل ما يهم أمريكا أو “أوباما” على جهة الخصوص هو إنجاز الاتفاق النووي مع إيران بأي ثمن، أما ما تفعله إيران من إشعال النار في الإقليم عبر التدخل المباشر أو غير المباشر فهذا لا يعني شيئًا لأمريكا، وقد صرح بذلك الرئيس “أوباما” أثناء لقائه مع “فريدمان”؛ حيث قال «ما فاجأني في الأسابيع الماضية واليوم في الوقت الذي أعلنا فيه التوصل إلى الاتفاق أن الأصوات المنتقدة ابتعدت في مضمون انتقادها عن القضية النووية، بل ذهبت إلى أنه حتى إذا تم حل هذه القضية فإن الإيرانيين سوف يستمرون بدعم الإرهاب ويحصلون على رفع للعقوبات، ما سيمكنهم من الحصول على المزيد من الأموال للقيام بهذه الأفعال السيئة… هذا احتمال، وستكون لنا عين على ذلك مع حلفائنا -دول الخليج وإسرائيل- لوقف أي عمل سيقومون به خارج البرنامج النووي، ولكننا اليوم أنجزنا هدفنا، وهو منعهم من امتلاك السلاح النووي».

من الطبيعي جدًّا عند تراجع أمريكا في إدارة العالم لابد من تقدم قوى أخرى لهذه المهمة وملأ الفراغ، وبما أن العالم لا يوجد فيه قوة كبيرة ذات نفوذ هائل وقدرة مترامية الأطراف قادرة على سد الفراغ الناجم عن التراجع الأمريكي، كان ذلك بمثابة تذكرة مرور للدول الأقل حجمًا لممارسة هذا الدور -أعني الإدارة- ولكن على مستويات أضيق، ومن هنا ظهرت أو برزت بشكل أوضح القوى الإقليمية، وكان لإيران الحظ الأوفر في الإقليم؛ لأنها تمتلك القوة العسكرية الأكبر في المنطقة، وعندها من الجرأة والوقاحة -التي قد تصل لحد الحماقة- ما يكفي أن تلعب -أو تستعيد- دور الشرطي في الإقليم، إلى غير ذلك من عوامل القوة، كامتلاك مقومات أخرى هامة على رأسها الطاقة، والأذرع الأمنية والعسكرية المهيمنة على عدة دول في الإقليم، أو القادرة على زعزعة الاستقرار فيها على أقل تقدير… بل إن أمريكا قد تشجع مثل هذه الدول التي تمتلك مثل هذه المقومات للتحرك والتحول إلى وكيل قانوني لها في الإقليم، وظهر ذلك جليًّا عندما أغرى “أوباما” إيران بالسيطرة على الإقليم، بدءًا من ترك العراق لقمة سائغة لها، وإنهاء وجود القوات الأمريكية فيه لصالح حكومة طائفية تتبع لطهران، وانتهاءً بما يدور في سوريا واليمن.

لقد كان “أوباما” أكثر وضوحًا وصراحة في لقائه مع “توماس فريدمان” حيث قال: إن «إيران لا تحتاج إلى قدرات نووية لتصبح قوة كبرى في المنطقة، وأقول للشعب الإيراني: إيران لا تحتاج إلى أن تكون ضد السامية أو ضد إسرائيل أو ضد السنة لتصبح قوة معتبرة، إيران لديها المقومات والكمون لو أنها كانت لاعبًا دوليًّا مسؤولًا، ولو أنها لم تدخل في حالة من الخطاب العدائي ضد جيرانها، ولو أنها لم تعبر عن معانٍ معادية للسامية واليهودية، ولو أنها حافظت على قوة عسكرية لتحمي نفسها، لا لتدخل في حروب بالوكالة في المنطقة. فقط بمقاييس بحجمها ومصادرها وشعبها، ستكون قوة إقليمية كبيرة جدًّا، وأملي هو أن يدرك الشعب الإيراني هذه الحقائق».

يبدو أن “أوباما” بدأ بإعطاء توجيهاته لإيران حتى تمارس دورها الإقليمي الذي تستحقه قياسًا بإمكانياتها ومواردها، بل هو يرشدها إلى أخطائها التي قللت من فرص نجاحها، وكبدتها الكثير من الخسائر من وجه نظره.

لقد كانت سياسة “أوباما” في الشرق الأوسط نتيجة لقراءة واقعية متصلة تستند إلى الفهم الأمريكي الجديد للفوارق الحقيقية بين السنة والشيعة، حدث ذلك بعد حرب أفغانستان بشكل خاص، وأظنها اللحظة التي اتخذ فيها قرار التقارب الأمريكي الإيراني، وتم اعتبار إيران حليفًا استراتيجيًّا لأمريكا أكثر من الدول السنية في الخليج العربي، والتي ترى أمريكا أنها إحدى أهم مصادر دعم الإرهاب العالمي، الذي يستهدف أمريكا ومراكزها حول العالم بشكل خاص، وأن دورها الوظيفي في الإقليم بدأ يتقلص لصالح إيران، كما أن ميزتها بكونها مصدرًا للطاقة بدأت بالتراجع مع التقدم الذي حققته أمريكا في مشاريع الطاقة النظيفة والبديلة على المدى البعيد.

يقول أوباما في هذا الصدد: «علينا أن نستمع لحلفائنا العرب السنة، من غير أن نقع في فخ السماح لهم بإلقاء اللوم في كل مشكلة على إيران. إن مواطنين من دول خليجية كانوا مساهمين كبارًا في الحركات الجهادية السنية التي تقوض الاستقرار بالمقدار ذاته الذي تفعله إيران». بينما قلل “أوباما” من دعم إيران للإرهاب قياسا بـ«العرب السنة» -على حد وصفه-؛ حيث يعتقد أن «التورط الإيراني بدعم الحوثيين -في اليمن- قد تم تضخيمه».

جهاد عورتاني , اليمن و ايران , شبكة سوريا 24

وأضاف أننا «عندما نراقب ما تقوله استخباراتنا لا نرى أن طهران قالت للحوثيين تقدموا إلى صنعاء، بل إن ذلك حصل بسبب ضعف الحكومة في صنعاء». إن قرار أمريكا بشأن التقارب مع إيران هو قرار استراتيجي متخذ عن قراءة واعية متأنية، ولكن هناك جهل -أو تجاهل- للبعد التوسعي الاستعماري لدى إيران، وقد يكون هذا التخوف أحد أهم أسباب اعتراض كثير من السياسيين الأمريكيين على طبيعة التفاهمات الأمريكية الإيرانية -الاتفاق النووي على جهة الخصوص-. “أوباما” في لقائه مع “فريدمان” أساء كثيرًا لـ«العرب السنة»، وقلل من شأنهم إلى ما يشبه السخرية، «لا يمكننا أن نفعل لهم ما ليسوا مستعدين أن يفعلوه لأنفسهم» -في إشارة إلى الفصائل في العراق-، بينما امتدح إيران وأثنى عليها كدولة صاعدة، وأعرب عن أمله بأن تكون «لاعبًا دوليًّا مسؤولًا».

وإن كان في نفس الوقت ينتقد سياسات إيران في العراق قائلًا: «لو انتهزت الأكثرية الشيعية الفرصة لمد اليد إلى السنة والأكراد بطريقة أكثر فاعلية، ولم تقر تشريعات على غرار اجتثاث البعث، لما كانت هناك حاجة إلى قوات خارجية»، إلا أنه يثني على تطور نظرتها!! فيقول: «لم تدرك الأكثرية الشيعية في العراق هذا الأمر كما يجب، لكنهم بدؤوا يفهمونه الآن».

كذلك أثنى على الأكراد وإسرائيل -مقارنة بالعرب السنة- بشكل واضح، «أظن أن الأكراد أحسنوا الإفادة من التضحيات التي قدمها جنودنا في العراق، والإقليم الكردي يسير شؤونه بالطريقة التي نتمناها، فهو يتحلى بالتسامح حيال المذاهب والأديان الأخرى، وهذا ما نرغب برؤيته في الأماكن الأخرى»، ثم تابع قائلًا: «من المدهش أن نرى ما أصبحت عليه إسرائيل خلال العقود الماضية، لقد أخرجت من الصخر بلدًا نابضًا بالحيوية، وناجحًا وثريًّا وقويًّا إلى درجة مذهلة، وهذا شاهد على عبقرية الشعب اليهودي وطاقته ورؤيته». في نفس هذا السياق -أعني تراجع أمريكا في إدارة العالم لصالح توسع قوى أخرى- نلاحظ كيف زادت سيطرة الصين على بحر الصين الجنوبي والشرقي؛ حيث باتت تسيطر على ما يزيد على الثلثين منه، ما يزيد الضغوطات على الدول المجاورة التي كانت تتقوى بأمريكا، بل إن انحسار الدور الأمريكي في الشرق جعل الصين تذهب أبعد من هذا، فصارت تتدخل في شؤون الدول المجاورة لها؛ حيث إن المقاتلات البحرية والجوية الصينية اخترقت مياه وأجواء الدول المجاورة لها عدة مرات، كاليابان -وهي العدو التقليدي للصين- والفلبين وفيتنام، والمناورات الروسية الصينية في بحر اليابان باتت أكثر إزعاجًا لأهم حليف أمريكي في شرق آسيا -اليابان- ، بل ذهبت الصين أبعد من هذا كله حيث أعلنت منطقة جوية خاصة بها فوق المياه الإقليمية في المثلث الصيني الياباني الكوري، وصارت تتحكم في عبور الطائرات والسفن، وتطلب منها تراخيص لعبور هذه المياه، مع العلم أن القوانين الدولية لا تسمح لها بمثل هذه التصرفات…

وقبل أيام في /3/سبتمبر/2015/ «أبحرت خمس سفن حربية صينية في المياه الدولية في بحر بيرنغ قبالة آلاسكا» بحسب وزارة الدفاع الأمريكية، وأضافت «بينما يقوم الرئيس “باراك أوباما” بجولة في الولاية الأمريكية»، وذلك في رسالة قد تعد استفزازية بالنظر إلى وجود الرئيس “أوباما” في آلاسكا بنفس التوقيت. بينما يرى مراقبون أن وجود السفن الحربية الصينية في بحر بيرنغ أمر طبيعي جدًّا عقب المناورات المشتركة التي قامت بها البحرية الصينية والروسية مؤخرًا.

وتعد هذه هي «المرة الأولى التي ترصد فيها الولايات المتحدة سفنًا للبحرية الصينية في بحر بيرنغ» بحسب البنتاغون. أيًّا كان سبب وجود السفن الصينية في هذا المكان من العالم، إلا أن هذا يبقى مؤشرًا واضحًا على رغبة الصين بتحطيم الأسوار وتجاوز النمط العادي في علاقاتها مع الولايات المتحدة، والتعامل معها بنوع من الندية. ليس هذا فحسب بل قامت الصين مؤخرًا بردم العديد من الجزر المرجانية “أرخبيل جزر سبراتلي” في بحر الصين الجنوبي، الذي يعد محل تنازع ترغب بالسيطرة عليه عدة دول في العالم، ويعتبر بمثابة ممر تجاري بين منطقة شرق آسيا والمحيط الهندي وأوروبا، ويقدر حجم التجارة العالمية التي تمر من خلاله بخمسة تريليونات دولار، كما أنها تخفي تحتها احتياطات كبيرة جدًّا من النفط والغاز مع ثروة سمكية هائلة.

وكانت قد أعلنت وزارة الخارجية الصينية في /17/يونيو/2015/ عن قرب «انتهاء أعمال الردم» في هذه الجزر، وأنها ستباشر فورًا ببناء البنية التحتية «لاستيفاء متطلبات التشغيل». وقد ارتفعت وتيرة التصريحات بين الصين وأمريكا حول ما تقوم به الصين من أعمال البناء في هذه الجزر، وبحسب وزارة الخارجية الصينية في /9/أبريل/2015/ فإن بناء هذه الجزر «مسألة داخل نطاق سيادة الصين بالكامل»، وهو عمل «نزيه ومنطقي وقانوني»، وأنها سوف تستخدم هذه الجزر «في الدفاعات العسكرية والخدمات المدنية»… بل قامت ببناء قواعد عسكرية جديدة، وبدأت بتجهيز البنية التحتية لها، وذلك ببناء مهبط للطائرات، وميناء لاستيعاب ناقلات النفط والسفن الحربية… ما يساعد على توسيع نفوذ قواتها البحرية والجوية، بالإضافة إلى توسيع انتشار أسطول الصيد الصيني، وتوفير فرص تزويده بالوقود…

بينما كان رد الفعل الأمريكي في /21/مايو/2015/ على لسان نائب وزير الخارجية “أنتوني بلينكن” يقتصر على أن «أعمال الردم في بحر الصين الجنوبي… تقوض الحرية والاستقرار، وتهدد بإثارة التوترات التي يمكن أن تفجر صراعًا»، وأضاف «تسعى الصين إلى إنشاء أراضٍ ذات سيادة، وإعادة رسم الحدود البحرية»، ما يضر «بأجواء الثقة في المنطقة».

وبعد أيام اكتفى الوزير “جون كيري” بحثِّ الصين على التحرك «لتخفيف التوتر»، وردت الصين بأن «تصميمها على حماية مصالحها صلب كالصخر». كل هذا أتت به الصين ضمن سياسة فرض الأمر الواقع، لحظةَ انشغال الآخرين عنها بملفات قد تكون أكثر أهمية وحساسية…

إن هذا التراجع والتردد والانقسام الحاصل في الإدارة الأمريكية على مستوى صناعة القرار إنه بحد ذاته كافٍ لإعطاء شعوبنا والدول العربية والإسلامية فرصة تاريخية للتسلل إلى مكامن القوة واغتنام بعض الفرص، واتخاذ قرارات استراتيجية تعيد لأمتنا كرامتها، وتحفظ وجودها وهيبتها… فأن نكون دولة صغيرة لا تمتلك القوة المادية هذا لا يعني عدم قدرتنا على إحداث خرق تجاه المجتمع الدولي، وبناء دولة ذات منظومة قيمية خاصة، قادرة على تجاوز أسوار النظام العالمي…

إنه يتوجب علينا أن نضع خطتنا للتسلل إلى أطراف النظام العالمي من خلال نسج علاقات استراتيجية دقيقة ومؤثرة مع الحلفاء والشركاء -تركيا وقطر والسعودية نموذجًا- ، ومن ثَمَّ نبدأ السعي لبناء منظومة أخلاقية تقوم عليها الدولة الجديدة القادرة على التعاطي مع المحيط من غير أن تَتَجَنَّسَ به، أو تَتَكَيَّفَ معه، وقد يمكن الاصطلاح على تسمية هذه الدولة بـ«الدولة الرشيدة» التي تحافظ على كليات الشريعة، من غير استنزاف للقوى في معركة طويلة جدًّا… إننا أمام مرحلة جديدة على المستوى الدولي والإقليمي قد يكون باستطاعة بعض الدول العربية -إذا اصطلحت مع الشعوب الثائرة- أن تفرض نمطًا جديدًا من العلاقات مع الدول الكبرى -وعلى رأسها أمريكا-، علاقات تقوم على الندية واحترام الحقوق والسيادة…

نحن -الثورة السورية نموذجًا- قادرون بالاشتراك مع تركيا وبعض الدول العربية -السعودية وقطر نموذجًا- على صياغة حلول جدية ومنطقية، وذلك إذا استطاعت الثورة أن تدفع الحلفاء والشركاء -ضمن خطاب مفتوح خارج نطاق الأزمة- لاتخاذ مواقف أكثر صرامة في الإقليم، ونكون مع الحلفاء والشركاء -تركيا والسعودية نموذجًا- أحد الأمثلة التي تضاف إلى هذه الدراسة لخروج مناطق أخرى عن السيطرة الأمريكية. السعودية وتركيا والثورة السورية تمثل نموذجًا واقعيًّا لاجتماع أسباب النصر المادية في هذه المعركة -المجاهدون والمال والسلاح-، لكن لابد لهذه الأطراف -جميعِها- أن تتخذ قرارًا حاسمًا بتدمير ما يُعتقد أنها خطوط حمراء، ومن ثَمَّ القيام بصياغة شراكة حقيقية، بعيدًا عن فقه الاستخدام والاستعمال، تُحترم فيها حقوق وتطلعات جميع الشركاء…

نحن الآن قد نكون في مرحلة شد الحبل مع دول أخرى تحاول الخروج عن السيطرة؛ لتثبت أنها لاعب أساسي ومسؤول في المنطقة… تركيا قد لا تكون وحدها قادرة على لعب هذا الدور، لكن إذا انضمت لها السعودية -وقطر- واتخذت قرارات حاسمة في المواجهة عندها بلا شك سنكون قادرين على إحداث التوازن في الإقليم على أقل تقدير، وستكون الشعوب العربية الثائرة هي البوصلة الحقيقية التي تحدد مسار الخروج من فلك الولايات المتحدة الأمريكية…

قد لا أكون مخطئًا إذا جزمت بأن السعودية وتركيا والشعوب العربية هي الفيصل الحقيقي في هذه المعركة، بل هل كلمة السر التي لا يعرفها الكثيرون، والتي من شأنها تأمين ما تبقى من البلاد العربية من امتداد الثورات الملتهبة إليها… وكم سنكون سعداء إذا استطاعت شعوبنا والحكومات بعد هذه التجربة القاسية أن تقرأ كلمة السر قراءة صحيحة، وأن تعرف الاتجاه الصحيح للحركة، والمسار الذي ينبغي أن تتوضع عليه…

تركيا الآن تخوض حربًا حقيقية -ذات بعد تاريخي- مع الدول الكبرى، وإن لم تستعمل فيها الأسلحة الثقيلة بعد، لكن الدول -روسيا مثالًا- لم تباشر كافة أنواع الضغط عليها، وبالنسبة لنا فإن تركيا تمثل رأس الحربة في هذه المعركة، وعليه فلا ينبغي للشعوب  -والمجاهدون في سوريا مثالًا- والدول العربية أن تتركها وحيدة في معركة الأمة، أو أن تحاول استجرارها لمعركة غير استراتيجية في الصراع كاليمن، وهو ما يفسر عدم دخول تركيا بقوة في “عاصفة الحزم”.

على المملكة العربية السعودية أن تقوم ببناء شراكة حقيقية واستراتيجية مع تركيا، تكون سببًا في إنقاذ ما تبقى من البلاد العربية، وتعيد صياغة المعادلة الصحيحة المركبة من تضامن الشعوب والحكومات… وذلك لا يمكن أن يتم بداية إلا أن تتخذ المملكة قرارًا حاسمًا يُخرج جماعة الإخوان المسلمين -التنظيم العالمي- من دائرة الهدف، ومن ثَمَّ تكون الجماعات المجاهدة في سوريا ركيزة أساسية في هذه الشراكة المباركة. ليست اليمن معركة الأمة بالرغم مما لها من الأهمية، هي معركة جانبية بالنسبة للمملكة العربية السعودية قياسًا بالمعركة الحقيقية التي تخوضها الثورة السورية…

ولا أستغرب يومًا إن كشف النقاب الدولي أن تكون قد افتُعلت هذه المعركة لإرباك السعودية في الملفات الأخرى الساخنة… ينبغي على حكام الخليج أن يدركوا هذه الحيثية جيدًا، وأن المعركة الحقيقية في سوريا؛ لأن رأس الأفعى يرقد هناك، وأما اليمن فهي بمثابة هدية النصر التي ستأخذها المملكة عنوة على طاولة المفاوضات… نحن الآن أمام فرص قد تكون تاريخية بكل المقاييس لإحراز شيء ما، فيما لو اتخذت الثورات والدول العربية التي لا تزال آمنة قرارًا استراتيجيًّا بالتخندق في مكان واحد لمواجهة الصاعد الجديد…

لا ريب أن الاحتمالات لا تزال مفتوحة جدًّا في المنطقة، بل الكثيرون لا يملكون التصورات الكافية عن السيناريوهات القادمة، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا بحد ذاته أحد أهم عوامل الضعف في الإدارة الأمريكية، والذي يتحول إلى أحد عوامل القوة لثورتنا المباركة. نحن أمام تراجع واضح في الأداء الأمريكي في منطقتنا العربية، يجب استغلاله قبل أن تستغله قوى أخرى مثل روسيا وإيران… يجب ألا نستيقظ فجأة لنرى السفن الحربية الروسية تجوب المتوسط دفاعًا عن الأسد أو النظام السوري، على غرار ما فعلت في جورجيا وأوكرانيا، عندها لن تفعل أمريكا لنا شيئًا -أو قد لا تستطيع أن تفعل لنا شيئًا-؛ لأن الحرب العالمية الثالثة بنسختها الجديدة -السنية الشيعية- تكون قد نشبت، وسيكون الجواب الأمريكي لنا هو ما قاله “أوباما” «فماذا ينتظرون؟».

خبراء أمنيون عدد المقاتلين الشيعة إلى جانب قوات الأسد بنحو 40 ألف مقاتل.

لقد كانت رسالة “أوباما” إلى الدول العربية في غاية الصراحة والوضوح «إذا كان العرب يعتقدون أن التوسع الإيراني يهدد أمنهم القومي، وإذا كانوا يعرفون أن الوضع السوري الراهن بممارسات الأسد الذي يعرف الجميع سيطرة إيران الكاملة عليه يمثل جزءًا رئيسيًّا من هذا التهديد، فماذا ينتظرون؟». قد يظن البعض أن “أوباما” ليس جادًّا فيما يقول، أو أنه ينصب لنا فخًّا لنندفع في حرب مذهبية مدمرة مع إيران…

قد يكون هذا احتمالًا صحيحًا إذا فرضنا تدخلًا عربيًّا فوضويًّا في سوريا، لكن لو فرضناه تدخلًا واقعيًّا بأبعاد واضحة وخطوات مدروسة لكان تعامل الإدارة الأمريكية معه ضمن سياق التعاون في “إدارة الإقليم”، في زمن ترهل السيطرة التي تعانيه الإدارة الأمريكية… يقول “مايكل نايتس” في دراسته عن “عاصفة الحزم” التي قدمها لـ”معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”: «تجد واشنطن نفسها الآن في موقف غير معتاد؛ إذ إنها تدعم من دون ضجة ائتلافًا كبيرًا متعدد الجنسيات يتألف من دول إقليمية، وهذا هو على وجه التحديد نوع من تقاسم الأعباء الذي طالما حلمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بتعزيزه»… ما يعني لو أن “عاصفة الحزم” كانت ضمن سياق «تقاسم الأعباء» لحظيت بالدعم والتأييد الأمريكي الكامل، أو التغاضي الإيجابي على أقل تقدير، لكنها لما جاءت في سياق رد فعل غير مدروس الأبعاد والمخاطر، وعلى غير تهيؤ واستعداد في المملكة والمحيط كانت العاصفة مصدر تخوف وقلق للإدارة الأمريكية، ليس من جهة هبوب هذه العاصفة بحد ذاتها، بل من جهة عدم دراسة الظروف المناخية المحيطة بها، وعدم الاستعداد للظروف الجديدة التي قد تنشأ عنها.

بعد كل هذا… لست أدعي أن التراجع الأمريكي في إدارة العالم يعني تركها له بالمطلق، بحيث تتحول البلدان الصغيرة إلى حالة من الاضطراب والخروج التام عن السيطرة، بل هي تتابع ما يجري عن كثب؛ لذلك كان من المهم لدى الأمريكيين صعود قوى إقليمية جديدة تساعدهم في إدارة العالم، وهذه قد تكون عبقرية أمريكية؛ لأنها تستفيد من الدروس السابقة للإمبراطوريات القديمة التي توسعت وتضخمت بشكل هائل حتى باتت غير قادرة على بسط نفوذها على كامل أراضيها، ما أثر بعد ذلك في سقوط الإمبراطوريات الكبرى، كالبريطانية والمغولية…؛ إذ توسعت هذه الإمبراطوريات بشكل لم تعد قادرة على إدارة نفسها، خاصةً في الأطراف والمناطق البعيدة، وذلك ضمن قاعدة ضعف القوة عند الابتعاد عن المركز…

يبدو أن العقلية الأمريكية أنتجت حلًّا بطريقة مبتكرة، وهو قيادة الأقاليم عبر وكلاء حصريين، وهذا يساعدهم في ضبط إيقاع الإقليم، وضمان بقائه تحت سيطرة الشرطي الجديد الصاعد، وهم بدورهم يضعون العقبات والعراقيل التي تضمن التحكم والسيطرة على هذا الصاعد الجديد، بحيث لا يَتَغوَّل على مصالحهم، ولا يتمدد ليتحول إلى قوة عظمى… وقد يكون الوثوق بفائدة وجدوى هذه «العقبات والعراقيل» كضمانات هي أساس الخلاف بين الكونغرس والإدارة الأمريكية إزاء الاتفاق النووي مع إيران .

شاهد أيضاً

بشار الجعفري في مؤتمر جنيف نبي أو مفاوض !؟

بشار الجعفري في مؤتمر جنيف نبي أو مفاوض !؟

الحدث | كتب : أحمد حسن محمد | سوريا 24 | بشار الجعفري في مؤتمر …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل