التدخل العسكري الروسي في سورية من وجهة اقتصادية .. د. عبد المنعم حلبي .

كتب : د. عبد المنعم حلبي | سوريا 24 |

إن انتقال(موسكو) من مجرد تمسكها ببشار الأسد في أي حل مستقبلي للأزمة السورية، وإصرارها على الإبقاء على الزعامة العلوية في البلاد عبر سعيها للحفاظ على مؤسستي الجيش والأمن، إلى قيامهابتدخلها العسكري المباشر بالصورة التي رأينها في الأيام الماضية، لابد أنه كان انعكاساً وترجمة سلوكية لها بواعث ودوافع مادية واقتصادية إلى جانب عدة دوافع وأهداف أخرى سياسية وعسكرية وربما دينية-مذهبية أيضاً.

فمع استمرار النظام السوري بتقديمه التسهيلات اللوجستية-العسكرية ذات الوفرة الاقتصادية المهمة للبحرية الروسية عبر مرفأ طرطوس، وما شكله الطلب الفعال للأسلحة الروسية من قِبل هذا النظام، ولا سيما في السنوات الأربعة الماضية، أضف إلى الموقع الجغرافي لسورية، ولعب النظام دور المعرقل لخطة اقتصادية خطيرة بالنسبة لروسيا ومتمثلة بنقل الغاز القطري عبر أنابيب إلى مرافئ البحر المتوسط وأوروبا، والتي كانت ستزيد من أوجاع روسيا الاقتصادية والسياسية، عبر ضرب سطوتها “الغازيِّة” على السوق الأوروبية.كل ذلك شكل الدوافع الاقتصادية المهمة للموقف الروسي قبل التدخل العسكري المباشر، أما أن تتدخل روسيا ولأول مرة في تاريخها بهذه الصورة الفجة والعنيفة، وفي منطقة لم تكن تحلم فيها إلا بنفوذ سياسي على نظام هنا وتعاون مع نظام هناك، فإن الأمر بالتأكيد هو في منحىً جديد مختلف عما كان يظهر عليه.

إن الوضع الاقتصادي الروسي هو حالياً في ركود، وبالنسبة لدولة مثل روسيا فإن الركود الاقتصادي يتمثل بانخفاض واردات الغاز الطبيعي، الذي تشكل روسيا أكبر خزان احتياطي عالمي له، كما أنها الدولة الرائدة في إنتاجه وتصديره، الأمر الذي تسبب في انحدار سعر صرف (الروبل) أمام الدولار الأمريكي. هذا الوضع سبق أن مرت به روسيا في عام (1998) عشية الانحدار الخطير في أسعار الطاقة، والذي بلغ أثره في الاقتصاد الروسي إلى درجة تعويم (الروبل) وبالتالي انخفاضه وتدفق رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة والغرب، حيث لم يكن ثمة رغبة لدى المصارف المركزية الغربية برفع سعر الفائدة آنئذٍ نظراً لعدم حاجتها إلى ذلك التدفق، وبالتالي وقوع تدهور خطير في شروط تبادل (روسيا) للعملات مع الغرب، الأمر الذي ساق إلى عملية استغلال حقيقية للثروات الروسية من قبل الشركات الغربية،والتي قامت بشراء الممتلكات وقوة العمل والسلع والخدمات الروسية بأسعار منخفضة بالعملات الأجنبية.

إلى جانب ذلك فإننا نعرفأنه وبعد قيام روسيا بضم (القرم) ودعمها للانفصاليين في أوكرانيا، فرض الغرب عقوبات اقتصادية؛ هذه العقوبات أكد صندوق النقد الدولي بأنها ستسهم لوحدها في تقليص الناتج المحلي الإجمالي الروسي بنسبة قد تصل إلى (9%)، بعدأن أثرت بصورة فوريةبالتوازي مع الإجراءاتِ المضادة بتقليص وصل إلى (1.5%). وقد ترسخ الركود الاقتصادي الروسي خلال الربع الأول من العام /2015/فانكمش بنحو (2%)، والإنتاج الصناعي بنحو (0.4%).

وإذا ما عدنا إلى الظروف والتطورات التي رافقت الأزمة الاقتصادية الحادة التي عصفت بالاقتصاد الروسي في عام (1998)، فإننا نستذكر كيف تلازمت تلك الأزمة مع انحسار شبه نهائي لروسيا عن شرق أوربا، وانكسار حلفائها الصرب بالضربات العسكرية الأمريكية والناتو، وتثبيت هزيمتها العسكرية في الشيشان وتهديد سيادتها في (القوقاز) عموماً، ولم يكن صندوق النقد الدولي ليتدخل ويساعد روسيا بتقديم قرض كبير لها بقيمة (10.1) مليار دولار على مدار ثلاث سنوات، ودمجها في البوتقة الاقتصاد الدولي في قمة (برمنغهام) عام /1998/برئاسة (المملكة المتحدة) كعضو في مجموعة القوى الصناعية الكبرى، إلا بعد التأكد من حسن سلوكها في الخروج نهائياً من أوربا الشرقية مقابل بسط يدها على الشيشان.

من هنا، وبالنظر إلى خريطة التوترات التي تحيط بروسيا منذ العام الماضي في (أوكرانيا)، فإن المخاوف الناشئة عن أزمة اقتصادية مثيلة بما حدث في العام (1998)، حيث تؤكد الإحصاءات الروسية الرسمية أن روسيا خسرت /112/ مليار دولار من احتياطيها من النقد الأجنبي خلال العام /2014/، ومع استمرار انكماش الاقتصاد الروسي، أضف إلى انحسار نمو الاقتصاد الصيني وبالتالي انحدار طلبه من الطاقة الروسية الأساسية (الغاز الطبيعي) وغيره، وثبوت الجدوى الاقتصادية من توجهها (أي الصين) إلى تلبية احتياجاتها من الموارد الطبيعية من دول في آسيا وأمريكا اللاتينية. كل ذلك شكل تطورات نوعية دفعت بالروس إلى اتخاذ نوع من الضربة الاستباقية في سورية بهدف امتلاك ورقة قوية في طاولة التفاوض مع الغرب،من خلال تحرك عسكري أعاد شيئاً من السخونة لحرب باردة كادتأن تلحقبمراحل التاريخ الغابرة.

ولكن هذا التحليل لا ينبغي أن يبعث على الارتياح، لأن مسيرة التفاوض وصراع الإرادات قد يفضي إلى أن تتخلى روسيا عن أطماعها في أوكرانيا في سبيل ضمان موطئ قدم لم تضمنه وتحققه من قبل في سواحل ذات مياه دافئة، تقطع به نهائياً خطر خطة نقل الغاز من الخليج العربي إلى أوربا، ويفرض طوقاً على تركيا ذات الاقتصاد الصاعد بل المتقدم، والدور الإقليمي المشاكس تاريخياً وجيوسياسياً لروسيا؛ والطامحة لدور ليس شرق أوسطي فقط، بل للعب دور سياسي وفتح قنوات تجارية في المنطقة الأوراسية ذات العرقيات التركية، التي تشكل حالياً مداراً مهماً من مدارات النفوذ الروسي والبضائع الروسية، هذا الطوق سيكون ذو أثر سلبي مضاعف في ظل الحالة السياسية والأمنية الداخلية لتركيا.

وأمام الواقع الروسي، يصبح المدخل الاقتصادي مدخلاً أساسياً في المواجهة الحقيقية للتحرك العسكري المباشر لروسيا في الأزمة السورية، بزيادة الضغوط الاقتصادية على روسيا، من خلال المحافظة على أسعار منخفضة للطاقة، وزيادة العقوبات الغربية، وتطبيق مقاطعة اقتصادية، إلى جانب تأجيج المخاوف الروسية في محيطها ومجالها الحيوي التاريخي (الأوراسي) .

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل