عبدالناصر العايد
عبدالناصر العايد

الانتقالية السورية .. من العسكرة إلى الأمننة .. عبدالناصر العايد .

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 |

لا تمتلك روسيا ورقة يمكنها أن تقدمها مقابل تنازل الدول العربية الخليجية عن مطلبها برحيل بشار الأسد، ودفع المعارضة السورية للقبول بذلك، سوى الورقة الإيرانية، والميلشيات الشيعية المرتبطة بها.

كان هذا الطرح لبّ المطلب السعودي الذي عُرض على علي مملوك أثناء زيارته غير المعلنة للسعودية، فقد قيل له بأشد العبارات وضوحاً إن السبيل الوحيد لوقف الدعم الخليجي لفصائل الثوار هو إبعاد إيران و»حزب الله» عن سورية، ويشاع أن مملوك قال «دعونا نفكر».

والظاهر حتى الآن أن تفكير فريق النظام خلص الى نتيجة مؤكدة، هي العجز عن حماية ذاته من دون معاونة طرف خارجي، وتوجهت أنظاره إلى موسكو التي اقترحت أساساً زيارة مملوك للرياض، للحصول على ضمان بحماية النظام وطائفته في ما لو انسحبت إيران، وهو ضمان يتم تأكيده بوجود عسكري مباشر، وهذا اشتراط لن يصطدم برفض دول الخليج. فهو يبعد شبح كل من الهيمنتين على سورية: الإيرانية الحالية والمستقبلية المحتملة لتركيا. ومن غير الواضح حتى الآن، ما إذا كانت إيران قد أرغمت على القبول بهذه الخطة بالضغط السياسي، أم قبلتها تحت وطأة الشعور بعدم جدوى الاستنزاف في الشكل الحالي من الصراع، وتفضيلها وسائل غير مباشرة وأقل كلفة في إدامة نفوذها على الأراضي السورية. لكن جهد بوتين الواضح لاسترضاء طهران في زيارته الأخيرة، يشي بأنه يحاول أن يساعد المرشد الإيراني على تجرع كأس السم مرة أخرى.

أما اسرائيل فترحب بكل تأكيد بالخطة الروسيّة التي تعظم مكاسبها من مرحلة الصراع السوري، وتكللها بخاتمة سعيدة تتمثل في إبعاد ايران عن حدودها الشمالية، وتحجيم «حزب الله»، وسحق التنظيمات السنيّة المتطرفة التي نشأت في سورية، من دون أن تتكلف الدولة العبرية شيئاً.

الطموحات التركية أيضاً لم تؤخذ بالحسبان، وفي الأغلب الأعم كان ذلك اشتراطاً إيرانياً لحرمان غريمها التاريخي من تسجيل نصر سوري، وهذا أحد أسباب محاولة الأتراك تفجير نزاع مع الروس على الحدود السورية، عبر إسقاطهم طائرة السوخوي. فتركيا تريد لفت الأنظار إلى أهميتها ومصالحها، ولن تتوقف عن التهديد بنسف الخطة العربية الروسيّة حتى لو تضمنت تحييد إيران، ولديها أوراق لعب كثيرة، أهمها الحدود الطويلة مع سورية، وما نُسج من علاقات مع مختلف فئات السوريين خلال السنوات الخمس الماضية، إضافة إلى ورقة الأقلية التركمانية في سورية التي أُبرزت إلى دائرة الضوء فجأة.

وإذا ما كتب لهذه الرؤية أن تبصر النور، فإن خطواتها العملية ستبدأ بطريقة تدرجية، حيث تتوقف فصائل المعارضة المرتبطة بالتسوية عن شن الهجمات، يعقبها توقف الطائرات الروسيّة عن قصف تلك التشكيلات، مع بقائها مهيمنة في الأجواء السورية، ومستعدة لردع ومعاقبة أي متمرد، وهي مهمة طويلة الأجل، ثم تبدأ الميلشيات الطائفية الخارجية بالانسحاب تباعاً، وسيكون آخر المنسحبين الميلشيات العراقية و»حزب الله»، وفي هذه الأثناء تبدأ مرحلة التنسيق بين بعض فصائل المعارضة وقوات النظام في الحرب ضد «داعش» و»جبهة النصرة» وغيرهما من الفصائل التي سترفض الانخراط في هذه العملية، ليكونوا بمثابة طليعة برية في تحالف دولي كبير يعمل أساساً من الجو.

أما على المسرب السياسي، فسيتركز الجدل الذي يتوقع أن يكون طويلاً حول معنى عبارة «الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية» التي ترفعها روسياً شعاراً لتدخلها، والتي سيكون المقصود بها على الأغلب بقاء أشخاص بذاتهم، وربما طائفة، في مواقع قيادية في مؤسسات الدولة، بخاصة الأمنية والعسكرية، وفي الأغلب الأعم سينتهي مثل هذا الجدل إلى خروج بشار الأسد من السلطة، بعد تثبيت عدد من كبار الضباط العلويين في مراكز قيادية، وبقاء العلويين في الجيش والأجهزة الأمنية في وظائفهم، لكن مع تعديل النسب داخل تلك المؤسسات، بزج أعداد اضافية من السنّة فيها.

لا يعقل أن يرفض أي سوري يعيش داخل البلاد ويقبع تحت التهديد الدائم بالقتل، مقترحاً لوقف هذا الصراع الدامي، بغض النظرعن تفاصيله ومخرجاته، لكن من السذاجة بمكان، الاعتقاد بأن حلاً للقضية السورية، البالغة التعقيد، سيكون ممكناً إنجازه برعاية سلاح الجو الروسي.

إن التسوية الروسية المطروحة، بانحيازها للنظام، وتركيزها على عنصر ثانوي بالنسبة إلى القضية المستهدفة، وهو مكافحة خطر التنظيمات المتطرفة، لن تغلق الباب على المأساة السورية، وسيؤدي توقف الدعم الإستراتيجي لقوات النظام وفصائل المعارضة إلى إنهاء عسكرة الصراع، لكنه سيفتح الباب واسعاً لمرحلة أخرى دامية هي الأمننة.

* كاتب سوري

 

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل