الاحتواء المزدوج للثورة السورية .. نجم الدين سمَّان

كتب : نجم الدين سمَّان | رايه | سوريا 24 |

 

نجح الاحتواء المزدوج للثورة السورية بشقيها: السِلمِيّ: التنسيقيات ولجان التنسيق المحلية؛ و العسكري: الجيش السوري الحرّ؛ الذي تبنّته مخابرات دول أصدقاء سوريا؛ و كأنما.. بتنسيق مباشرٍ؛ أو.. غير مباشرٍ مع النظام الأسديّ الوراثيّ في سوريا؛ سواءً.. في جرِّ الاحتجاجات السلميّة الى العسكرة؛ أم.. في وصم الثورة بالإرهاب من قبل النظام الأسديّ.. بما يعنيه مصطلح الإرهاب من فوبيا.. لدى الغرب؛ كما لدى الدول العربية الدائرةِ في فَلَكِهِ .

فبعد عنصر المفاجأة في الثورة التونسية وسرعة هروب بن علي من كرسيّ حكمه؛ وبعد الزخم الشعبي غير المسبوق جماهيرياً في الثورة المصرية و تنحِيةِ مبارك عبر نائبه؛ ظهرت سرعة الحَسم الدوليّ والعربيّ لإطاحة القذافي.. بالزواج الأمميّ بين قصف التحالف الجوّي و بين زحف الفصائل الليبية براً من بنغازي.. مهد تلك الثورة؛ إلى عاصمة ملك ملوك إفريقيا: طرابلس الغرب.

ثمّ بدأت سياسة احتواء الثورة اليمنية.. من قبل مجلس التعاون الخليجي؛ وقد صار الربيع العربي قرب أبواب تلك الدول؛ بل.. إن سلميّة الثورة اليمنية قد أربكت دول مجلس التعاون الخليجي.. بالرغم من وجود ملايين الأسلحة الفردية مع اليمنيين: أفراداً و قبائل؛ و من وجود تحالفاتٍ مُعلنةٍ و غير مُعلنةٍ.. ما بين تلك القبائل و مابين دول الخليج..وبخاصة مع السعودية؛ فيما عدا الحوثيين الذين ارتهنوا للمدّ الإيراني؛ ثم تحالفوا مع الرئيس المعزول علي عبد الله صالح و مع فلوله.. لإطاحة الثورة ذاتها؛ كما.. لإطاحة ورقة الحل الانتقالي السلميّ؛ الذي رعته السعودية بغطاء دولي .

اليمن السعيد

 

و تزامنت سياسة الإحتواء في اليمن؛ وبخاصةٍ.. بعد انشقاق فرقٍ من الجيش اليمنيّ عن جيش النظام وانحيازها لثورة الشعب؛ مع سياسة احتواء أكبر ثورات الربيع العربي وأكثرها جذريةً: الثورة السورية؛ خوفاً من جذريتها.. في قلع شجرة الاستبداد من جذورها: نظاماً ومؤسسات.. بما فيها مؤسسة الجيش الأسدي؛ حين ظهر على حقيقته.. لا بوصفه جيشاً و طنياً لحماية الوطن والمواطنين؛ وإنما.. بوصفه عصابة حكومية مسلّحةً لقتلهم بطريقة ممنهجة و يومية؛ وبخاصةٍ.. أجهزته الأمنية؛ التي تحوّلت إلى مافيا داخل الدولة؛ حتى انها استمرّت تقود ومنذ أربع سنوات حتى الأن: الحلّ الأمنيّ.. بكل أنواع القتل؛ وبكلّ أصناف الأسلحة.. من الرصاص الى السلاح الكيماوي؛ و بكلّ أشكال القتل اليومي: من الاعتقال التعسفيّ و موت المعتقلين تحت التعذيب؛ إلى الحصار و التجويع من أجل التركيع .

الأخطر.. بالنسبة للدول العربية و الغربية معاً؛ كان فكرة انشقاق مقاتلين عن جيشٍ حكومي.. بعد رفضهم تنفيذ أوامر قتل مواطنينهم؛ والأكثر خطورة.. هو الإعلان عن تأسيس جيش وطني سوريٍ حرٍ في مواجهة جيش حكومي؛ وهو ما لا تستطيع الدول على اختلافاتها أن تتقبّله؛ حتى لا تسري العدوى إلى جيوشها أيضاً؛ و لهذا.. كان على فكرة الجيش السوري الحرّ.. أن لا تنجح؛ حتى لا تُصبِح َسابقةً في تاريخ الجيوش وفي تاريخ الثورات أيضاً؛ وحتى لا تصير مثالاً يتمّ الإقتداء به في ثورات شعبية لاحقة .

رئيس الائتلاف خالد خوجة , نبحث مع القيادة المركزية الأميركية برنامج تدريب الجيش الحر , شبكة سوريا 24 , syrian24.net

أتذكر.. كيف أطلقت وكالة رويترز – التي تُسمَّى الوكالة الأكثرَ حِياديةً بين وكالات الأنباء العالمية – مصطلح الحرب الأهلية في سوريا؛ في إشارة تَطَامنٍ مع سياسة الاحتواء المزدوج تلك؛ ولتنحية مصطلح الثورة عمَّا يحصل مِن حِرَاكٍ شعبيٍ كبيرٍ في سوريا؛ و حتى.. لتنحية مصطلح الاحتجاجات نهائياً؛ بالتزامن مع تدفق ميليشيات عراقية ذات صبغةٍ طائفيةٍ.. لمساندة نظام الأسد مع الدعم اللوجستيّ الإيراني الصريح؛ ومن ثمَّ.. تدخل مقاتلي حزب الله اللبناني المُباشر والمُعلن؛ و قد استدعى وجود هؤلاء على الأرض السورية؛ تدفق مقاتلين من الأفغان العرب ومن الأفغان الشيشان.. وسواهم عبر الحدود.. لمواجهة تلك الرايات الطائفية؛ برايات طائفية مضادة؛ بينما كان قادةُ الجيش السوريّ الحرّ.. رهنَ ما يُشبه الإقامة الجبرية في مُخيّمٍ تركيٍ مُغلق!؛ وتمَّ تدريجياً.. استبدالُ الأكثر راديكاليةً بينهم؛ بالأكثر براغماتيةً.. في المجالس العسكرية التي شكَّلها ائتلافُ المعارضة السورية؛ بضغطٍ من الدول الاقليمية الداعمة لفصائل بعينها: حركة حزم.. نموذجاً؛ وبتوجيهٍ من مخابرات دول أصدقاء سوريا .

و تُشير تقديراتٌ مُتطابقةٌ.. إلى تدفّق أربعة مليارات من الدولارات.. خلال سنوات الثورة السورية الأربع؛ إلى مؤسساتٍ لإغاثة السوريين.. وأكبرها تلك التابعة للإئتلاف؛ ولتمويل المجلس الوطني والائتلاف من بعده؛ ومعه الحكومة السورية المؤقته؛ كما.. إلى تمويل وتسليح بعض فصائل الجيش الحرّ.. دون غيرها؛ وبخاصةٍ.. ما قيل بأنها: ذاتُ نزعةٍ إسلاميّةٍ مُعتدلة!! .

من نتائج سياسة الإحتواء المزدوج للثورة السورية.. إقصاء التكنوقراطيين و كبار الإداريين عن مفاصل مؤسسات المعارضة السورية؛ بدءاً من رئيس وزراءٍ منشقٍ عن النظام السوري؛ ومن معاوني وزراء ومن سفراء ومن قضاةٍ ومن مدراء عامين.. مروراً بأطباء و مهندسين ومفتشين ماليين ومحامين بارزين؛ وليس انتهاءً.. بالتقنيين في مجال النفط و الغاز والكهرباء و باقي الخدمات الاساسية التي تحتاجها على الأقل.. حكومة سورية مؤقته؛ و بالطبع.. تمّ استبعاد الاعلاميين المحترفين الذين انشقّوا عن النظام أو هربوا من سطوته .

سياسة الاحتواء المزدوج للثورة السورية..التي نفّذتها دول إقليمية وغربية وكثير من أبناء المعارضة السورية المُعترَف بها دولياً.. أقصد: الائتلاف الوطني السوري.. بالطبع؛ وحكومته المؤقته و مجالسه العسكرية؛ يمكن تلخيصها على النحو التالي:

استبدال قادة الحراك الشعبي السوري: التنسيقيات – مجالس قيادة الثورة وسواها من تشكيلات الداخل السوري.. بمعارضين سوريين أغلبهم من الخارج .

استبدال قادة الجيش الحرّ الأكثر راديكاليةً.. بالأكثر براغماتيةً؛ وبالأكثر استجابةً للتدخلات الإقليمية و الدولية؛ و كان من نتائج ذلك: ظهور أمراء الحرب.. ومن بعدهم: أمراء تنظيم القاعدة.. بشقَّيها: النصرة و داعش .

الدولة الأسلامية , داعش , شبكة سوريا 24

عزل المنشقين عن مؤسسات النظام؛ بما يُشبه سياسة إجتثاث البعث في العراق؛ وإبعادهم عن المشاركة بخبراتهم في الحكومة المؤقتة وباقي هيئات مؤسسات الائتلاف.. وبخاصة الإعلاميين منهم؛ حتى أن المكتب الإعلاميّ للائتلاف يُديره مُختصٌ بالإعلان؛ ربما.. لأنَّ حرف نون: الإعلان؛ يسبق حرف ميم: الإعلام.. في أبجدية المعارضة السورية؛ فلا هم حصدوا إعلاناً ناجحاً عنهم في سوق الإعلان الإقليمي و الدولي؛ ولا هم أنجزوا إعلاماً قادرً على إيصال صوتهم للسوريين على الأقل.. فكيف إلى الرأي العام العربي والعالمي؟! .

التواطؤ مع النظام السوري عن قصدٍ وعن غير قصد؛ في سياسته.. لتحويل الثورة السِلميّة المدنيّة الاحتجاجية؛ إلى مجرّد احتجاجٍ طائفيٍ للأغلبيّة ضد حكم الأقليّة؛ كما إلى تحويل الجيش الحرّ من رديفٍ للثورة السلميّة.. إلى فصائلَ ترفع راياتٍ دينيةٍ و مذهبيةٍ؛ وسواها من أنواع التطرّف الدينيّ؛ وصولاً إلى أقصاها.. مع داعش والنصرة؛ واعتبار ما يحدث في سوريا منذ أربع سنوات.. مجرّد حرب أهلية!! .

تحوير المطلحات المتداوله: من مصطلح: ثورة ربيع سوريا.. الثورة السورية؛ إلى الأزمة السورية؛ إلى النزاع على السلطة في سوريا.. إلى الحرب الأهلية في سوريا؛ وليس أخيراً: الحرب على الإرهاب في سوريا .

جرُّ كلِّ الأطراف المُتصارعة والدول الحليفة لهذه أو لتلك.. إلى طاولة المفاوضات.. في تسويةٍ تُشبه ما حصل في أفغانستان؛ حين انضمَّ كلُّ أمراء الحرب الى الطاولة.. عدا طالبان – ولن تنضم داعش بالتأكيد إلى الطاولة السورية – ؛ بينما كان الثوار الأفغان الحقيقيون قد استشهدوا؛ أو ماتوا في المعتقلات تحت التعذيب؛ أو قام أمراء الحرب بتصفيتهم ومطاردتهم؛ بينما خيرة النشطاء والعقول الأفغانية.. قد هاجرت؛ ثم لن تعود إلى وطنٍ تحكمه “اللوريا جيركا” بكلّ مافياتها و أمراء حربها الملوثة أيديهم بالدم .

الفرق بين أفغانستان وبين سوريا ستان القادمة.. هو عدم وجود “حامد كرزاي” سوري؛ تحاول دول أصدقاء سوريا تصنيعه منذ سنتين.. ولم تنجح حتى الآن .

شاهد أيضاً

بشار الجعفري في مؤتمر جنيف نبي أو مفاوض !؟

بشار الجعفري في مؤتمر جنيف نبي أو مفاوض !؟

الحدث | كتب : أحمد حسن محمد | سوريا 24 | بشار الجعفري في مؤتمر …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل