الاجتياح المحتمل في سوريا بين الوصاية والمصالح , عبد الرحمن مطر

كتب : عبد الرحمن مطر

يرفض وليد المعلم أي تدخل بري في سوريا لمواجهة داعش. ثم لن يلبث أن يشترط إشراك قوات بشار الأسد، في أي عملية عسكرية، ليمنحها الشرعية التي تحفظ ما يراه سيادة الدولة على أراضيها، التي افتقدت السيطرة على معظمها منذ عامين وأكثر في الشمال السوري. يذكرنا المعلم بتصريحاته الشهيرة حول السيادة والانتهاك، بشأن عمليات التحالف الدولي ضد داعش والنصرة، فيما يقدم النظام نفسه لأي محفل، كقاتل محترف ضد شعبه .

يدرك النظام السوري، أنه خارج دائرة التشاور الدولي، فيما يتصل بإستراتيجية التحالف الدولي، ومع ذلك يحاول أن يظهر محورية الدور الذي يمكن أن يلعبه على الأرض، بغض النظر عن طبيعة هذا الدور، متقدما بخبرته الواسعة فيما يسميه محاربة الإرهاب والتطرف. لكن واشنطن وحلفاءها، إذ ما يزالون يعلنون عدم إمكانية التعاون مع الأسد، فإنهم يمنحونه فرصا كبيرة ليكون شريكا فعالا غير معلن، في تنفيذ ضربات جوية رديفة لصالحه، مع التكتيك لاستعادة السيطرة على المواقع التي يطهّرها التحالف من تنظيم الدولة الإسلامية، عبر التقدم البري، الذي يمكن أن تنفذه قوات الأسد .

ولكن هل بدأت خيوط التدخل البري، تتكامل بعد أن أقر الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيرا، بأن اقتصار إستراتيجية التحالف على الضربات الجوية، غير كاف حتى الآن لتحقيق لجم داعش ومحاربتها في سوريا والعراق، ولم يحقق نتائج ملموسة. والواقع، فإن تمادي تنظيم الدولة الإسلامية في تحدي المجتمع الدولي، آخرها إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، شكّل إحراجا للبيت الأبيض، بعجزه عن حماية المقاتلين الذين ينفذون عمليات التحالف الدولي. ومن هنا بدأت تتصاعد الأصوات التي تنادي بضرورة القيام بعمل عسكري بري، أو نقلت المشاورات الخفية بشأن ذلك إلى العلن، كما كشفت تصريحات السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، قبل أيام، أن الأردن والسعودية ودولا عربية أخرى، قد أبدت موافقتها على المشاركة في تدخل بري في سوريا والعراق، إلى جانب القوات الأميركية .

لاشك في أن غراهام، قد توصل إلى نتائج إيجابية مع بعض الدول العربية، رغم مراوغة الأردن في تأكيد ذلك دون نفيه، بشأن الانضمام إلى حملة مشابهة، ربما، لعاصفة الصحراء، يتم خلالها دحر تنظيم داعش، وهو ما حمله تصريح جون آلن منسق عمليات التحالف، بخصوص العراق، لكن بالنسبة إلى سوريا فإن الصورة حتى اليوم لا تزال غير واضحة، على الرغم من وجود تضخيم إعلامي لغارات الأردن الجوية على مواقع تنظيم داعش، نعتقد أنها موجهة لامتصاص الاحتقان الشعبي، المرتبط بهيبة الدولة، التي تتصرف بشكل انتقامي منفرد عن مجموعة التحالف الدولي. وهو ما بني عليه الاقتراح الذي يتحدث عن ضرورة قيام الأردن بدور محوري، يتولى فيه الإطاحة بنظام الأسد وداعش معا، ويمنح بموجب ذلك حق الوصاية على سوريا، للذهاب إلى مرحلة انتقالية، بما يشبه حلما من سراب .

ليندسي غراهام، بما هو معروف عنه من صقور الجمهوريين، تلتقي جهوده مع أفكار شبيهة لدى جيمس بيكر، وتركيا، والأردن أخيرا، دون أن يكون ذلك مرتبطاً، حتى الآن، بإزاحة الأسد، وهي نقطة خلاف جوهرية، مع واشنطن، طالما أكدت عليها كل من أنقرة والرياض .

يذهب بيكر إلى منح تركيا الدور الأساسي في حرب برية، تطيح بداعش والأسد معا، ويرى أنه على الطرفين التركي والأميركي اللذين تجمعهما عداوة الأسد وداعش، أن يتعاونا بشأن منح تركيا فرصة تحقيق هدف مشترك، خاصة وأن تركيا تتمتع بجيش منظم وعالي التدريب، وعضو في الناتو منذ أكثر من نصف قرن، وقادر على إنجاز هكذا مهمة بمشاركة دول التحالف بما فيها العربية. تلتقي هذه الرؤية مع رغبة تركية فرنسية في إقامة منطقة عازلة محظورة الطيران، شمال سوريا، لا تزال موضع رفض أميركي .

يمكن أن تتجه الخطط لاجتياح معاقل داعش الأساسية، انطلاقا من تركيا، إذا ما تضمنت توسيع العمليات لإسقاط الأسد، لا نعتقد أن موسكو سوف تسمح به، في ظل مخاوف غربية من دور تركي استثنائي في المنطقة، يهدد الوجود الكردي، ويخلق كتلة جغرافية وبشرية (سنية) موالية لأنقرة، ما يسبب إشكاليات لواشنطن مع حلفائها الأكراد في العراق، حيث يفترض أن تكون هناك عملية برية يقوم بها الجيش العراقي، على هشاشته وضعفه، ضد تنظيم داعش بمشاركة قوى التحالف الدولي .

واشنطن حتى اليوم، تنأى بنفسها عن الدخول في أي عملية عسكرية برية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بشكل مباشر. لكنها تبذل جهودا على أعلى المستويات ومختلف الاتجاهات من أجل ترميم إستراتيجية التحالف الدولي وتصحيحها، بدفع الدول المعنية إلى الانخراط في تشكيل نواة لقوات برية، تنفذ تدخلا عسكريا، يعتقد البيت الأبيض أنه لا مفر منه .

القوى الأساسية المتمثلة في الولايات المتحدة وتركيا والسعودية، تفتقد إلى الثقة فيما بينها، بسبب تقاطع المصالح والأهداف، والاختلاف حول الأولويات، فيما تتحكم إيران، فعليا، بتوجهات السلطات المركزية في بغداد، بما فيها الجيش العراقي .

أما في سوريا، كما يشير جون آلن، فليس ثمة شريك حتى الآن. لم تستطع جهود الأطراف الداعمة للمعارضة السورية، أن تبني مؤسسة عسكرية شريكة، المسألة غاية في التعقيد، ومن المحتمل أن يدخل جيش الأسد ليملأ الفراغ، إذا ما بدأت قوات التحالف عملا بريا دون تهيئة الظروف الملائمة لإحلال المعارضة مكان داعش. الطرف التركي، مجددا، هو القادر على منع الأسد من التقدم، من خلال الزجّ بالمجموعات العسكرية التي يتبنى تشكيلها وتدريبها، منذ عدّة أشهر بصمت وهدوء .

الذهاب إلى تدخل بري في سوريا، لن يكون نزهة في البراري، على أبواب الربيع، بل سيجرّ، شأن أي حرب، مزيدا من الويلات على المنطقة، طالما لم تكن هناك إستراتيجية شاملة، تتضمن إزاحة الاستبداد بوصفه إرهابا، من جذوره، تستند إلى تسوية سياسية، تحت الفصل السابع، وبتوافق دولي .

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل