الإرهاب وثنائية التعامل الغربي , عمار جلو

كتب : عمار جلو – الجمهورية – سوريا 24

مضى عامان فقط بين عملية ميونيخ عام 1972 التي َنفذتها منظمة ايلول الأسود و بين الخطاب الشهير للزعيم الراحل ياسر عرفات في منظمة الأمم المتحدة 1974 مطلقاً عبارته الشهيرة"غصن الزيتون بيد والبندقية بيد"، تلك العملية التي وصفت بالإرهابية لكنها حولت أنظار العالم لقضية شعب ُسلبت أرضه و كغيرها من العمليات التي ُنعتت بالإرهاب هي من أوصل رئيس منظمة غير رسمية إلى المنظمة الأممية وذلك حسب تحليل سياسيي العالم آنذاك، وانطلاقاً من مقولة "إذا أردت السلام فأستعد للحرب" لّازم الراحل ابو عمار بين السلام والسلاح فلو سقط غصن الزيتون لتحول الرصاص إلى مجرم جنائي ولو سقطت البندقية لجف الغصن دون أن ُيثمر بالسلام المنشود فما من حركة وليدة الإ وصفة الإرهاب او التمرد لازمتها حتى تبُلغ غايتها حينها ُيرفع لها القبعات ممن رموها بالإرهاب سابقاً، أو قد يكون العكس بحيث تنشأ حركة بمباركة من دول لا تلبس أن تنعتها بالإرهاب، فالإرهاب كائن هلامي لا شكل له ولا لون ُيلونه ُمطلقه حسب هواه و ُيجمّله حسب هواه والتاريخ الحديث مليء بالشواهد .

 حظيت حركة طالبان ببداية نشأتها بمباركة أمريكية ترجو من ورائها ضرب تيار متطرف بتيار آخر أكثر تطرفاً وتعمل على تطويعها لاحقاً ، إضافة لكون الحركة الحديثة ستكون عثرة في وجه المصالح الإيرانية التي ترغب امريكا تطويقها في أفغانستان ، بعد أقل من عشر سنوات كانت طالبان وحكومتها الأولى بقائمة الحرب الأمريكية على الإرهاب ثم دخلت معها مفاوضات لازالت قائمة رغم تقطعها ، إيران التي تسعى أمريكا تطويقها وتطويق شعاراتها المعلنة (الموت لأمريكا ، الموت لإسرائيل) هي نفسها "إيران جيت " التي زودتها أمريكا بالسلاح و بيد الإسرائيليين ايضاً خلال صفقة الأسلحة التي تحولت أموالها لحركة الكونترا المناهضة للنظام الشيوعي في نيكارجوا هذه الحركة الموصوفة بالمتمردة والإرهابية بنظر الكثيرين حينها ، كما تعاونت أمريكا مع إيران واستخدمت أجوائها بالحرب على الإرهاب في أفغانستان و استخدمت جنودها و أزلامها بالحرب على الإرهاب في العراق، و تتوجت النظرة الأمريكية لإيران كأحد دول محور الشر بالرسالة السرية التي ارسلها أوباما للمرشد خامنئي وبمفاوضات الهواء الطلق الحميمي التي أجراها وزير خارجيته مع وزير الخارجية الإيرانية خلال لقاء جنيف الأخير .

 أليس من المفارقة وصف الساسة الفرنسيين للنظام الإيراني "بالنظام الفاشي"ثم يقفون بوجه أدراج ذراعه في لبنان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية في أوربا كما أشارت وثائق ويكليكس فيما يخص موقف فرنسا من حزب الله ، الحزب الذي قتل جنودها في لبنان عام 1983 في أولى عملياته .

 اليوم تصف إسرائيل حركة حماس بأنها منظمة إرهابية ، هذه الصفة لم تكن تطال الحركة حين نشأتها فقد تغاضت إسرائيل عنها و سهلت لها بعض مقومات الظهور بهدف سحب البساط الفلسطيني من تحت أقدام منظمة التحرير الفلسطينية من خلال حركة صاعدة قد تتمكن من تطويعها .


 القذافي ونظامه الذي ُنعت بالإرهاب أمريكياً وأوربياً نتيجة بعض العمليات أشهرها قضية "لوكربي" سقط عنه الوصف بمجرد تخليه عن المشروع النووي الليبي ، وكذلك الأمر بالنسبة للأسد الذي أسقطت عنه أمريكا الشرعية وباتت تعد أيامه بالسلطة، لكنها أوقفت عدها لأيامه وأوقفت ضربتها له بمجرد تسليمه لسلاحه الكيماوي في صفقة وّقعت على أجساد الأطفال والنساء الذين قضوا نتيجة هذا السلاح أضافة إلى ضحايا الأسلحة الخفيفة والثقيلة التي استعملها ضد الشعب السوري أو من بقي منه .

 كل ذلك ولا تزال كثيراٌ من تيارات وفصائل المعارضة السورية تخشى من وصفها بالإرهاب وتسعى جاهدة لدفع هذه التهمة عنها في سعيها للحصول على الدعم الغربي المنشود حتى غّيبها الواقع كما حصل مع "جبهة ثوار سوريا "بزعامةجمال معروف" ، هذا المصير سيأتي على كل الحركات التي أطّرت نفسها ضمن إطار الاعتدال دون أمتلاك أوراق القوة على الأرض ( خلال كتابة هذه السطور تم إنضمام حركة حزم الموصوفة بالإعتدال إلى الجبهة الشامية الواقعة بالمنطقة الرمادية بين الإعتدال والإرهاب بعد يوم واحد من الصدام مع جبهة النصرة التي قوضت قوة حركة حزم و قلصت نطاقها الجغرافي ) فأوراق القوة ومفاتيح اللعب هي من سيدفع الدول للتعامل معها ودعمها وليس الاعتدال الذي تتبناه وليس أدل على ذلك ما نقلته وكالة الأنباء الإيطالية " آكي " عن دبلوماسي اوربي رفيع المستوى -طلب عدم ذكر اسمه- أن الدول الأوربية أبدت استعدادها بالوساطة لرفع اسم جبهة النصرة ( الفرع السوري لتنظيم القاعدة ) من قائمة الإرهاب الأمريكية وأشترطت هذه الدول ان ُتجري النصرة تغيير في سياستها وايدولوجيتها بشكل كلي ، هذا الشرط كان سيخضع لكثير من التغيير والتراجع فيما لو دخلت جبهة النصرة بهذا المشروع فأوراق القوة التي تملكها على الأرض تسمح لها بفرض شروطها.

 نهايةً هذا المقال ليس دعوة للإرهاب ولا لمبايعة البغدادي أو الجولاني ، ولكنه دعوة لقراءة الواقع والتاريخ بكلتا العينين فما فائدة الإعتدال إذا أضاع الحقوق عن أهلها وما ضرر الإرهاب (بالمنظار الغربي) حين يعني الأمساك بُعقد الحبل المتروك و يكون الحل الوحيد لقضية تركتها الدول كجرح مفتوح حتى ألتهب وتعفن، فالعدو الهلامي الذي أنتجته امريكا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي صالح المفعول لكل زمان ومكان تصِله ِشباك المصالح الأميركية و يطوي مقولة مستشار جورباتشوف القائلة " نحن نقوم بأمر مروع لكم، فنحن نحرمكم من عدو" ويضعها على رف العدمية، وسيبقى هذا العدو الهلامي فزاعة الأقوياء بوجه الضعفاء كلما طالبوا بحقوقهم.

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل