إيران تفرغ دمشق من سكانها , عدنان الصباح المقداد

كتب : عدنان الصباح المقداد

الزمن 1996، أسير في طريقي اليومي من شارع النصر في وسط دمشق جنوبا باتجاه باب الجابية بين الحارات العتيقة حيث تنتشر المحال الشعبية القديمة، أمر من أمام سجن الشيخ حسن، هنا أمضيت سنة كاملة في زنزاناته واستمعت إلى حكايا المعتقلين القادمين من تدمر بملابسهم الرثة وقاماتهم المنكسرة وهم يقفون محنيي الظهور ورؤوسهم الذليلة المحلوقة تنتظر من يشدها إلى الأعلى، رائحة أجسادهم النحيلة المتقشفة النتنة، الجرب، السل، الدمامل، الجروح وكل آثار سني السجن الصحراوي (تدمر).

أتابع طريقي وعيناي ترقبان الزنزانة رقم 5 التي أمضيت فيها شهورا طويلة، حفرت فيها على الجدران عالم شاعر حاول أن يتخيل شكل الحرية، المشهد الوحيد الذي كانت تسمح لي نافذة زنزانتي الصغيرة رؤيته هو قمة جبل قاسيون. كنت أعانقه كل صباح ثم لا تلبث مواكب الجنازات تقتحم صمت مقبرة (باب الصغير)  وفي المساء أنصت لأحاديث الموتى القادمة من أسفل سور السجن.   

ثم ادخل مقبرة باب الصغير أمر على قبر نزار قباني، وقربه، بجوار سور السجن هناك قبر  صديقي ورفيق السجن الطويل رضا حداد. داخل المقبرة هناك قباب لموتى من العصور القديمة ما تزال ماثلة كشاهد على الزمن، منذ رحيل الدولة الأموية إلى بغداد. في الطرف الآخر من المقبرة تجمعات لبشر بأشكالهم الغريبة ورائحة أجسادهم المسكونة بالحقد والكراهية.. وهم يبصقون ويشتمون تلك القبور ويلطمون وجوههم وأكتافهم ..إنه ندب للزمن والتاريخ لزينب والحسين ووعد بالثأر والانتقام. اخرج من باب المقبرة الجنوبي هناك ساحة تتوضع فيها باصات سفر عليها رايات خضراء وكتب عليها باللغة الايرانية.

باب الجابية هي بوابة دمشق الجنوبية التي ترمز للعهد الأموي، هناك ازدهرت عملية شراء بيوت دمشق القديمة من قبل الإيرانيين ونشطت حركة البناء، إنها مراكز إيرانية تنتشر لتحاصر المقبرة وتمتد حتى شارع الأمين الذي أصبح أهم المناطق التي ترمز لحركة التشيع في دمشق وفيه مسجدان الأول مسجد الإمام علي بن أبي طالب وحسينية يمتد نشاطها على مدار السنة، والمسجد الآخر مسجد الزهراء. بالإضافة إلى جامع رقية خلف المسجد الأموي، ثمة بيوت قديمة متناثرة هناك بانتظار أن تمتد الأيادي الإيرانية إليها..لا أحد الآن يستطيع أن ينطق بكلمة فالشبيحة الشيعة الأكثر ضراوة يتمركزون هناك حيث يمتد هذا الشارع ويتصل بحي الجورة في باب توما، الحي الشيعي الآخر والمشهور بشبيحته أيضا. منذ الثمانينات كان يأتي العراقيون الشيعة المعارضون لصدام حسين ويستأجرون هناك وقد أصبحوا جزءا من المنظومة.

دمشق القديمة لم تعد تحمل سمات أهلها، فقد أصبحت مهجورة .  ومنذ ذلك الوقت بدأ تفريغ دمشق من سكانها (الشوام)الذين رحل أغلبهم إلى الغوطة الشرقية في دوما وحرستا وعربين وسقبا وحمورية وزملكا حيث باتت تكتظ بالسكان الدمشقيين.

يعرف جميع السوريين أن التواجد الإيراني على الأراضي السورية بدأ قبيل الثورة مع بداية حملات التشيع وشراء الأراضي والمنازل. ففي الثمانينات نشطت جمعية المرتضى وانتشرت مكاتبها ومراكزها في كل إنحاء سوريا تحت رعاية جميل الأسد ربما كانت نوعا من الاختبار آنذاك ولكن كان مشهدا مريعا ينذر بتوسع رقعة الزمن الطائفي. وفيما بعد انتشر بكثافة نوع آخر من التواجد الشيعي هو الحسينيات.

ومع بداية الثورة وبدء الحملة الواسعة لتسليح الشبيحة . قامت إيران بتسليح المجموعات الشيعية بشكل مستقل عن النظام (للعلم يمثل الشيعة السوريون اقل من 4% من سكان سوريا). وقد شاركت هذه المجموعات بشكل واسع في مهاجمة المتظاهرين وقنصهم واعتقالهم واعتبروا أنفسهم حلفاء النظام طمعا في المكاسب العديدة. وقد كانت هذه المجموعات تابعة لإيران بشكل مباشر ويقودها ضباط وخبراء من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله يشرفون على تدريبهم وتهيئتهم وتوجيههم. وقد بدأ هذا الوجود يتسع شيئا فشيئا ويتخذ دورا فاعلا مع الوقت بحيث سيطروا على العديد من البلدات والمدن وهجَّروا سكانها السنة بشكل كامل واستولوا على بيوتهم حتى غدت مدنا شيعية بالكامل، وفي نفس الوقت الذي بدأت فيه التشكيلات القتالية بالظهور كحزب الله وميليشيا أبو الفضل العباس وعصائب أهل الحق وغيرها بحجة حماية المقامات الشيعية والعتبات المقدسة.

فيما بعد ومع بداية 2012 أصبح لتشكيلات الحرس الثوري تواجدا كبيرا وأصبحت تشارك في العمليات القتالية ضد  السكان. كان لإيران دورا رئيسيا في تغذية روح الحقد والانتقام التاريخي تحت شعارات طائفية بحته.     

لا شك إن إيران قد بادرت إلى التدخل في سوريا في ظل وضع مهزوز وغير طبيعي يسود سوريا والعالم، إنها تستغل الظرف الدولي والعجز وانسحاب المجتمع الدولي وإحجام الدول والمنظومة المتحكمة بالقانون الدولي عن التواجد . فرعاية المصالح الدولية ذات الطابع الإنساني والبيئي يجري إلغاؤها لصالح إغراق الشعوب بالمزيد من الأزمات والانهيارات.

نعود بالزمن إلى الوراء إلى الزمن الذي لم تكن توجد فيه كل هذه المنظمات الدولية لحماية الإنسان من الاعتداءات ومن الإحتلالات التي تسبب له الكوارث والنكبات . ما هو الثمن الذي تكسبه الدول المتحكمة بتسليم المنطقة ووضعها تحت النفوذ الإيراني الشيعي المعادي لمحيطه العربي، هل هو نشر للمزيد والمزيد من الفوضى ؟؟ أم الميل إلى تغيير الخارطة الإقليمية؟؟أم إضعاف جميع القوى المتقاتلة وإفناء بعضها البعض لصالح وضع جديد قادم ؟؟؟  

هل هو شبح الزمن الشيعي القادم؟؟ ماذا يمكن أن يقرأ المراقب للأحداث من هذا التمدد والتوسع الإيراني الشيعي؟؟ وكيف يمكن أن نفسر هذا الميل الدولي الجديد نحو المارد الإيراني الذي يجتاح العالم العربي؟؟    

كيف يمكن لبلدان أن تسقط في براثن الاحتلال الإيراني في ظل هذا الصمت الدولي، هل الهدف هو إغراق المنطقة ودفعها إلى المزيد والمزيد من التطرف ؟؟؟ كل هذه الأسئلة في ظل احتدام الأحداث وتشابكها .

فأصابع إيران تمتد وتلعب في كل مكان بشكل مريح مستغلة عنصر الفوضى لإعادة التموضع وإضفاء عنصر توازن جديد في المنطقة  بإزاحة العنصر السني وتصفيته  فمن الواضح أن الهجوم الإيراني الشيعي هو حالة انفلات وانقلاب وتغيير في موازين القوى والمجتمعات  بتقزيم العالم الإسلامي السني وتحجيمه والقضاء عليه.

طبعا لم يكن للنظام أن يصمد ولم يكن للهجوم الإيراني الشيعي أن يتقدم لولا الظروف المناسبة. فيما يقابله من انسحاب لقوى المجتمع السياسية والمدنية المحلية بعد تصفية النخب المثقفة والنشطاء على أيدي النظام السياسي الطائفي، بإلغاء فاعلية المجتمع وتحول الدولة إلى ميليشيات وعصابات للتشليح والتعفيش والقتل والاغتصاب، فقد تم قتل عشرات الآلاف من المثقفين والنشطاء الفاعلين في سوريا عبر أربع سنين وما تزال العملية مستمرة حتى الآن ففي سجون النظام يقبع ما يزيد عن 700 ألف معتقل ومعتقلة وأغلبهم من نخبة المثقفين.

فقد نجح النظام في تصفية العنصر الأساسي المثقف في الثورة السورية الذي كان يمثل صمام الأمان والذي حافظ على التوجه السلمي والمدني للتحرك الشعبي المناهض للنظام الطائفي المتطرف. وهو ذاته التوجه الأمني القمعي  للنظام السياسي العربي فليس من مكان يلجأ إليه المواطن ولم يعد هناك من أفق نتيجة الحصار الطويل لكل عوامل الحياة. في حين تلهى النظام السياسي العربي القمعي  بالتوجه نحو التحالف والتواطؤ مع  النظام العالمي ولصق تهمة الإرهاب بكل نشاط  اجتماعي معارض، فالإنتاج الأساسي لأجهزة القمع العربية هو الإرهاب وأصبح الإرهاب هو الحاضر الغائب في سياسة الدول العربية من خلال إلغاء نشاطات المجتمع لا بل امتصاصه. إن انتشار المافيات الوطنية ودورها في سرقة ونهب ثروات بلدانها بالتحالف مع المافيات الدولية ترك المجتمعات العربية فارغة ومهلهلة وذليلة يحكمها الجوع والحاجة في ظل غياب الروح الوطنية.

لا شك أن إرهاب الدولة قد خلف مجتمعات منهارة إن التطرف له طرفان أحدهما تمسك به السلطة والنظام الحاكم. التطرف هو لغة تعبر عن الانسداد السياسي وسقوط الحس الوطني وهو تعبير عن تصاعد الأزمات الداخلية إلى حدها الأقصى.

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل