«أبو خالد السوري» من «الطليعة المقاتلة» إلى «أحرار الشام» مروراً بـ «القاعدة» , سياسة , عبد الرحمن الحاج

«أبو خالد السوري» من «الطليعة المقاتلة» إلى «أحرار الشام» مروراً بـ «القاعدة» , سياسة , عبد الرحمن الحاج

 

ليست سيرة «أبو عميرة الشامي» (أبو خالد السوري) أمير حركة أحرار الشام في حلب، والذي قتله ثلاثة انغماسيين انتحاريين من تنظيم أبو بكر البغدادي «داعش»، مجرد سرد قصصي لحياة أحد الجهاديين السوريين من ذلك النوع الذي يلخص رواية الثورة السورية التي بدأت مدنية سلمية واستمرت طيلة 10 أشهر حتى أدى القتل الوحشي بالعزل إلى حمل المدنيين السلاح والدفاع عن أنفسهم مع منشقي الجيش، والتي تنتهي بمقتله في واحدة من المعارك اليومية وربما المفصلية وهو يأمل رؤية أولاده أو عودته الى بيته بعد سقوط النظام الذي طال انتظاره، ذلك أن سيرة هذا الرجل تختصر من جهة تاريخ الحركة الجهادية في سورية منذ نهاية السبعينات وحتى اليوم، وتكشف عن النمط الجهادي السوري الآخذ بالتبلور الآن من جهة أخرى.

ما كان يميز تنظيم الطليعة الجهادي آنذاك هو قاعدته الاجتماعية المدينية، واجتذبت أفكار الطليعة المقاتلة طالب الثانوية الشاب محمد بهايا (1963) وأحد أبناء حي البيّاضة العريق قرب قلعة حلب الشهيرة، ولم يمض عام 1979 حتى تحول إلى مقاتل في صفوفها، لم يكن مقاتلاً مميزاً في ذلك الوقت، ولم يشارك في عمليات ذات أهمية استثنائية، ثم خرج مع من خرج من أعضاء التنظيم بعدما تلقى التنظيم ضربات قاسية في مدينة حلب، ومن المعروف أن النزعة السلفية في تنظيم الطليعة لم تنشأ إلا بعد خروج التنظيم من سورية، إلى الأردن ثم العراق، وبشكل أوضح في وقت لاحق لمجزرة حماة، برز هذا تحديداً في الجناح الذي كان يقوده الزعيم الطامح لقيادة التنظيم «عدنان عقلة».

بعد مجزرة حماة في شباط 1982، انتقل أبو خالد إلى تركيا بصفته مسؤول دعم لوجستي وتهريب المقاتلين من وإلى داخل الأراضي السورية، ونجا أبو خالد من اعتقال كان سيودي بحياته عندما كُسرت رجله في اليوم الذي خطط فيه لدخول الأراضي السورية مع زعيم التنظيم عدنان عقلة الذي اختفى أثره منذ ذلك الوقت، حيث تبين أن جميع من دخلوا الأراضي السورية كانوا قد وقعوا في كمين قوات الأمن.

كان الجهاد الأفغاني الذي بدأ لتوّه قد بدأ يجتذب المقاتلين، ولم يكن بين جميع المجاهدين الذين التحقوا به مقاتلون اكتسبوا خبرة قتالية وتنظيمية معقدة مثل تنظيم الطليعة، عندها قرر الشاب محمد بهايا الالتحاق بالجهاد في أفغانستان، كان ذلك نهاية عام 1987. في بيشاور في باكستان، التحق مع أحد أبرز رموز المجاهدين العرب الشيخ عبدالله عزام الذي كان هو أيضاً عضواً في التنظيم وأحد المقربين من مؤسس التنظيم مروان حديد. كان عزام قد أسس في باكستان ما سمّي بـ «بيت الأنصار» فالتحق به أبو خالد بمجرد وصوله إلى هناك، ثم لما تحول «بيت قاعدة الجهاد» أصبح أبو خالد أميراً له، ثم أصبح مدرباً للمقاتلين.

التقى هنالك مجدداً بصديق طفولته وزميله في تنظيم الطليعة أبو مصعب السوري، وعلى الأرجح أن تسمية نفسه بـ «أبي خالد السوري» ترجع إلى الحقبة الأفغانية تلك. ومع سقوط حكومة نجيب الله الموالية للاتحاد السوفياتي وتطورات الجهاد الأفغاني اللاحقة، وبشكل خاص الاقتتال بين أمراء الحرب، عاد أبو خالد السوري إلى تركيا في أواسط عام 1992، حيث أمضى بضعة أشهر، لينتقل بعدها إلى إسبانيا حيث رفيق دربه أبو مصعب. مكث هنالك حتى منتصف عام 1994 حيث عاد إلى تركيا، فيما انتقل أبو مصعب السوري إلى لندن للعمل مع «خلية ﻟﻨدن الجزائرية»، ﻭﻫﻲ ﺍلمجموﻋﺔ التي كانت تصدر «نشرة الانصار» الداعمة للجماعة الاسلامية المسلحة في الجزائر.

بقي أبو خالد في إسبانيا أكثر من سنتين كان يشارك فيها آراء وأفكار أبو مصعب كاملة ثم عاد إلى تركيا ثانية، لكن أبو خالد ظل على صلة وثيقة بأبي مصعب وظل يتنقل بين لندن واسطنبول، مما ساعده على الاطلاع المتواصل والمفصل على مجريات الأحداث في الجزائر.

عاد أبو مصعب وأبو خالد كلاهما إلى أفغانستان في أواخر عام 1997 بعد استيلاء طالبان على الحكم في أفغانستان بسنة. كان أبو خالد السوري وأبو مصعب قد ربطتهما علاقة وثيقة ببن لادن سابقاً، وأصبح أبو خالد لفترة ما مرافقاً شخصياً له، وأثناء عمله في لندن وثّقا صلتهما بالإعلام الغربي، فاستفادا من ذلك لترتيب مقابلة تلفزيونية لشبكة CNN الأميركية نهاية 1997. وبقي في أفغانستان التي عمل فيها في التدريب العسكري وغيره حتى إعلان الولايات المتحدة وحلفائها الحرب على طالبان في تشرين الأول (اكتوبر) 2001 حيث انسحب إلى باكستان.

في باكستان اعتقلته القوات الأميركية في 5 أيار (مايو) 2005، واعتقل رفيقه في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 أيضاً في باكستان. وسجن في سجون باكستانية بغرض تحصيل معلومات مهمة عن القاعدة، مكث في السجون الباكستانية سنة لينتقل بعدها إلى سورية ويسجن في سجن صيدنايا العسكري في زنزانة انفرادية مدة تزيد عن 7 سنوات، حيث استُدعي للمحاكمة في نهاية تشرين الثاني 2011 بتهمة الانتساب الى تنظيم القاعدة. وفيما نفى ارتباطه بالتنظيم، اعترف في المقابل بعلاقته بتنظيم طالبان الذي قاتل في بعض الأحيان فصائل من الأفغان العرب. كان القاضي يبحث عن سبب ما راغباً في إيجاد وسيلة لحكم يساعد على الإفراج عنه في سياق حملة الإفراج المنظمة عن معتقلي صيدنايا الجهاديين، فحكم عليه سبع سنوات (كان قد أمضاها بطبيعة الحال) بتهمة الإيقاع بين سورية ودولة صديقة هي الاتحاد السوفياتي!

أطلق أبو خالد السوري في 17 كانون الأول 2011، ودعي من جانب «جبهة النصرة» للانضمام إلى صفوفها لكنه رفض الانضمام، وبقي إلى نهاية عام 2012 يبحث عن «الجهة المناسبة»، حيث وجد بغيته في تنظيم أحرار الشام الذي بدأ نجمه بالصعود، وبدأ بتدريب مقاتليه في مراكز التدريب في ريف حلب الغربي، حيث بدأ يتداول اسمه الحركي الجديد «أبو عمير الشامي». وبدءاً من مطلع 2013 يصبح أمير حركة الأحرار في حلب.

بناء على معرفته بالتجربة الجهادية الجزائرية – والتي يتفق فيها مع رؤية أبو مصعب السوري في كتابه «مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر» – منذ بدأت الثورة بالتسلح، صار يبدي قلقه في شكل مستمر لمقربيه من تداعي مقاتلين جهاديين أجانب دمويين يمكن أن «يخربوا سورية» وفق تعبيره، وعندما أعلن البغدادي قيام «دولة العراق والشام»، صار يعتقد بشدة أن «داعش» «عمل استخباراتي صرف»، الأمر الذي جعله يشجع على إصدار البيان الرقم 1 في 24 أيلول (سبتمبر) 2013 والذي وقعه 13 فصيلاً عسكرياً، لكن خوف الفصائل من معركة غير محسوبة مع تنظيم البغدادي جعلهم يحولون البيان نحو الائتلاف والحكومة الموقتة!

قبل نحو شهر من مقتله، سرب إليه بعض أصدقائه في تنظيم «داعش» أن خطة تعد لقتله تتضمن عملية انتحارية بالأحزمة الناسفة لخمسة انغماسيين من التنظيم، وكان واثقاً أنه بات مستهدفاً بعدما أصبحت الحرب عليهم تتسع. وكان قد نصح أبو محمد الجولاني بالانتباه من خطورة انتقال العناصر المتطرفة من تنظيم البغدادي إلى «جبهة النصرة»، وضرورة إيلاء هذه المسألة أهمية خاصة واتخاذ إجراءات محددة اقترحها عليه.

ما ورد في هذا المقال من معلومات لم يكن في الواقع سوى بعض من رواية صديق قديم وحميم لأبي خالد، ووفق هذه الرواية، فإن أبا خالد كان مؤمناً بأفكار رفيقه أبي مصعب السوري في الجهاد والدولة الإسلامية، الذي قال عنه في كتابه الشهير (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية) إنه «أخي ﻭصديقي، ورفيق دربي ﻭمساري». وهو كذلك يعتقد أنه مضى الزمان الذي يمكن فيه إجبار الناس على شيء، وأن المرء المسلم يسعه أن يمارس السياسة في تنظيمات وطنية غير إسلامية ما لم يكن ثمة موقف صريح يناقض الدين، لا يعني ذلك أنه لم يكن ضد النظام الديموقراطي ومع نظام الشورى، ولكنه لم يكن يرى ما يستدعي إخراج الناس من الملة عندما تعمل في إطار وطني وفي تنظيمات المعارضة السورية مثل المجلس الوطني والائتلاف. موقف أبو خالد يبدو غريباً جداً مقارنة بموقف الجهاديين.

الراوي أيضاً أكد لي أن أبا خالد السوري، الذي يتمتع بقربه من جميع قادة التنظيمات العسكرية ويحظى باحترام خاص من الجميع نظراً الى تاريخه الجهادي وطبيعته الشخصية الميالة الى التوافق، كان يثق بالجولاني في شكل شخصي، ولكنه على ما يبدو لا يثق في سلوك تنظيمه، وأنه كان يرى نفسه جهادياً مستقلاً، ولم يكن يوماً جزءاً من تنظيم سياسي عسكري اسمه «القاعدة»، وعلى الرغم من نزعة وطنية واضحة حفرت فيه من نتائج التجربة الجهادية على نحو خاص، إلا أنه ظل وفياً لجهادية عالمية تظلل الجهادية الوطنية، هذا ما يفسر قلقه من المقاتلين الأجانب والتعاطي الإيجابي معهم في الوقت ذاته.

سيرة أبي خالد السوري تختصر مآلات تنظيم الجهادية السورية التي بدأت مع الطليعة المقاتلة المنحدرة من جذور مدينية في النصف الثاني من سبعينات القرن المنصرم، وعلى رغم أنها نقلت البذرة الجهادية النظرية إلى تنظيم «قاعدة الجهاد» العالمي، ولكن السلفية الطرفية هيمنت من دون أن يكون أعضاء الطليعة المقاتلة الذين ساهموا في التنظير أعضاء في تنظيم القاعدة في الأعم الأغلب، وأمثلة ذلك كثيرة.

شاهد أيضاً

عبدالناصر العايد

بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه . عبدالناصر العايد

كتب : عبدالناصر العايد | سوريا 24 | بوتين الزمن إذ يتسرّب من أصابعه بوتين الزمن …

Close
رجاء ادعم الموقع
بالضغط على اي من هذه الازرار ستجعل الموقع افضل